العلاقات الأمریکیة الألمانیة فی هالة من الغموض والشک
سجّل التاریخ نماذج کثیرة من البلدان التی اندمجت ووحدت فی شکل تکتلات إستراتیجیة، إلى جانب ذلک، هناک حالات قلیلة لدول حلیفة سابقة تنفصل وتتحول إلى خصوم سیاسیین.
سجّل التاریخ نماذج کثیرة من البلدان التی اندمجت ووحدت فی شکل تکتلات إستراتیجیة، إلى جانب ذلک، هناک حالات قلیلة لدول حلیفة سابقة تنفصل وتتحول إلى خصوم سیاسیین. وکتبت بولیتیکو فی تقریر عن نهایة حقبة الولایات المتحدة وألمانیا: "الأصدقاء والحلفاء القدامى (ألمانیا والولایات المتحدة) ینفصلون، وهذا لیس مجرد نتیجة لسلوک ترامب نفسه".
منذ نهایة الحرب العالمیة الثانیة، لم تکن العلاقات بین برلین وواشنطن هشّة کما هی الیوم. إن الآلیات الرسمیة وغیر الرسمیة التی دعمت الوحدة الدولیة منذ الخمسینیات آخذة فی الإنهیار. وبحسب بعض المحللین الأوروبیین، فإنّ العلاقات الألمانیة الأمریکیة فی حالة سیئة، وحالیًا على قید الحیاة بواسطة جهاز التنفس الصناعی. السؤال المطروح الآن للعدید من المراقبین السیاسیین الدولیین هو ما إذا کانت الولایات المتحدة وألمانیا على طریق الإنفصال التاریخی. وما هی أسباب هذه الظروف؟
على الرغم من تاریخ التحالف الإستراتیجی الممتد على مدى 70 عامًا بین کلا جانبی المحیط الأطلسی، لطالما کانت العلاقات بین الولایات المتحدة وألمانیا فی حالة من الشک والتشاؤم. من الناحیة الإستراتیجیة، یعتقد البعض أن المساعدة الإقتصادیة الأمریکیة فی إطار خطة مارشال وتشکیل الجماعة الأوروبیة للفحم والصلب (European Coal and Steel Community) تتعلق بالسعی للسیطرة على القوة والطموحات العسکریة الألمانیة أکثر من کونها تتعلق بإنقاذ أوروبا. صنع فی المانیا. بالتالی، فإنّ القوة الإقتصادیة لألمانیا باعتبارها القوة الصناعیة الأولى فی أوروبا والتوازن الإیجابی لتجارتها مع الولایات المتحدة قد أثارت قلق الأمریکیین بشأن هذه الدولة الأوروبیة؛ بالإضافة إلى ذلک، فی الوضع الحالی، تواجه الولایات المتحدة تهدیدًا کبیرًا مثل الصین، وتسعى ألمانیا، التی تدرک جیدًا الوضع الحالی للنظام الدولی، مع اقترابها من الصین وروسیا ، تسعى إلى موازنة علاقاتها مع الولایات المتحدة. ووفقًا للسیاسی الأمریکی جورج فریدمان، تخشى واشنطن التقارب الإقتصادی بین روسیا وألمانیا. ویعتقد أن التکنولوجیا ورأس مال الألمان، إلى جانب الموارد الجوفیة لروسیا، یمکن أن تشکل تحدیًا حقیقیًا للولایات المتحدة، وأن الولایات المتحدة مستعدة لمواجهة مثل هذا التحدی.
فی وقت سابق، قال وزیر الخارجیة الألمانیهایکو موس لوکالة الأنباء الألمانیة الرسمیة DPA إن " أی شخص یعتقد أنّ مع رحیل ترامب، کل شیء فی العلاقات بین جانبی المحیط سیعود إلى ولایة الرؤساء الدیمقراطیین، فمن الواضح أنه استهان بالتغییرات الهیکلیة فی النظام الدولی. وحذّر فی بیان آخر من أن مستوى ونوع العلاقات بین البلدین لن یعود إلى شکله السابق. تم توضیح أساس هذه الأفکار والتفکیر بشکل جید من قبل معهد مرکز بیو للأبحاث (Pew Research Center) فی دراسة میدانیة، وصرّح أنّ العلاقات بین البلدین متوترة وأنّ معظم الألمان، على الرغم من الفوائد الإقتصادیة للوجود الأمریکی فی ألمانیا، لکنهم یعتبرون ذلک غیر مهم مقارنة بالأمن القومی لبلدهم. فی استطلاع آخر، وصف 85٪ من الألمان علاقة بلادهم بالولایات المتحدة بأنها سیئة أو سیئة للغایة، ویرید معظم الألمان إنفصال و إبعاد بلدهم عن الولایات المتحدة.
مصدر الخلافات بین ضفتی الأطلسی:
على الرغم من أنّ شرارة الخلافات إندلعت بین الحلیفین الغربیین مع وصول ترامب إلى السلطة وبإثارة القضایا الأمنیة والإنفاق الدفاعی، لکن الحقیقة هی أن الفصیلین الجمهوری والدیمقراطی لیسا على خلاف جوهری مع بعضهما البعض فی مواجهة تحدیات عبر الأطلسی. على الرغم من أن یعزو بعض المحللین والباحثین فی السیاسة الدولیة هذه الإختلافات إلى قضایا مثل الإنفاق الدفاعی، ومجموعة G7، وبناء خط الأنابیب نورد ستریم2 (Nord Stream2)، والتعریفات التجاریة على السیارات الألمانیة، وتفاعل ألمانیا مع الصین وروسیا وإیران، وفی الحالة الأخیرة الإعلان عن انسحاب 9500 جندی أمریکی من ألمانیا، لکن یستنتج من بعض تصریحات المسؤولین الأوروبیین، وخاصة الألمان، أنّ السبب الجذری یعود لهذه الإختلافات و التغییرات فی النظام الدولی. فی الواقع، یکمن الإختلاف الأساسی بین جانبی المحیط فی فهم النظام العالمی الجدید. لم یأخذ حتى اللیبرالیون الأمریکیون مفهوم التعددیة الأوروبیة فی الإعتبار، وهم یشککون فی هذه التعددیة.
میرکل هی أحدث زعیم أوروبی بعد جوزیب بوریل وإیمانویل ماکرون تتحدث عن نهایة الحکم الأمریکی فی العالم. فی نظام التعددیة الأوروبیة، یجب أن تتحول القارة الخضراء من فاعل متابع وغیر فعّال إلى فاعل مستقل ونشط نسبیًا؛ الممثل الذی لا یعتمد على شریکه الأطلسی فی القضایا الإستراتیجیة المهمة مثل قضایا الأمن والدفاع. تؤکد تصریحات میرکل فی أیلول (سبتمبر) الماضی هذا الفهم الأوروبی للتعددیة، حیث قالت إن أوروبا یجب أن تهتم بأمنها، لأنّ الولایات المتحدة لن تدعمهم بمفردها، کما لم تفعل خلال الحرب الباردة.
کان خطاب میرکل التاریخی بعد قمة G7 علامة على إعادة هیکلة القوى العالمیة. حیث قالت بصراحة: "لم تعد أوروبا قادرة على الإعتماد الکامل على الولایات المتحدة وبریطانیا. غیّرت قضیة بریکست (Brexit) فی بریطانیا وانتخاب ترامب فی الولایات المتحدة الأمور بالنسبة لأوروبا. لقد انتهى الوقت الذی یمکننا فیه الإعتماد بشکل کامل على الآخرین. فی الواقع، یجب علینا نحن الأوروبیین أن نتحمل مصیرنا بأیدینا." کتبت صحیفة نیویورک تایمز أیضًا فی تحلیل لتصریحات میرکل الأخیرة: تنظر المستشارة الألمانیة الآن إلى ترامب من الأعلى. یمکن رؤیة إحباطها من الإجتماعات فی قمة G7؛ بطریقة لم تعد تعتبر أمریکا فی عهد ترامب شریکًا موثوقًا لبلدها وقارتها.
فی النهایة، یجب القول إنّ ألمانیا بذلت جهودًا عدیدة بهدف تعزیز الإتحاد الأوروبی کمؤسسة أوروبیة، لکن بعض هذه الجهود لم تکن ناجحة جدًا لأسباب عدیدة. بالتأکید، بعد انسحاب بریطانیا من الإتحاد الأوروبی، ترید الولایات المتحدة منع تقویة دور ألمانیا فی الإتحاد الأروبی بالمعنى الخاص وإضعاف هذه المؤسسة الأوروبیة بشکل عام. فی المقابل، تم تعریف استراتیجیة ألمانیا على أنها للحفاظ على نمط التقارب الأوروبی وتعزیزه، والسعی لتقلیل اعتمادها على الولایات المتحدة فی مختلف مجالات الأمن والطاقة والسیاسة. یبقى أن نرى إلى أی مدى لدى الألمان القدرة والإرادة لدفع ثمن مواقفهم الأوروبیة.
"إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"