Ar

En

Fa


ماکرون والتطلعات الطموحة للحکومة الفرنسیة فی مجال السیاسة الخارجیة

إن الأعمال الهجومیة ضد المقدسات الإسلامیة حدثت سابقاً فی فرنسا. مع ذلک، فإنّ الدعم الکامل من الرئیس والمسؤولین فی الحکومة الفرنسیة للفعل الوقح وغیر اللائق الذی قام به شارلی إیبدو فی نشر صورة کاریکاتوریة منسوبة إلى نبی الإسلام العظیم جعل هذا الحدث المشؤوم مختلفًا عن الأعمال السابقة الأخرى.
ربيع الثاني 1442
رویت 281
حسین غریبی

 إن الأعمال الهجومیة ضد المقدسات الإسلامیة حدثت سابقاً فی فرنسا. مع ذلک، فإنّ الدعم الکامل من الرئیس والمسؤولین فی الحکومة الفرنسیة للفعل الوقح وغیر اللائق الذی قام به شارلی إیبدو فی نشر صورة کاریکاتوریة منسوبة إلى نبی الإسلام العظیم جعل هذا الحدث المشؤوم مختلفًا عن الأعمال السابقة الأخرى. وإنّ موقف الحکومة والرئیس الفرنسی لیس مجرد دفاع عن حریة التعبیر، بل هم یسعون وراء أهداف أخرى من وراء دعمهم لـشارلی ایبدو. فی الداخل، یحاول ماکرون کسب المزید من الأصوات فی الإنتخابات الرئاسیة الفرنسیة لعام 2022. فهو من خلال الموقف الهجومی على الإسلام یحاول کسب جزء کبیر من الرأی العام الیمینی. إقلیمیاً، ماکرون یعلم أنّ الولایات المتحدة والنظام الصهیونی یعارضان فکرة الحکومة لحل أزمة الشرق الأوسط، ویسعى إلى تعزیز مصداقیة فرنسا کلاعب أمریکی مرغوب فیه فی المنطقة.

بوقاحة، وللمرة الثانیة مجلة شارلی إیبدو نشرت صورة کاریکاتوریة مهینة لنبی الإسلام الأعظم، النبی محمد(ص). للأسف، سبق هذا العمل غیر اللائق ضد المقدسات الإسلامیة، لکن ما میّز هذا الحدث المشؤوم عن الأعمال السابقة الأخرى هو دعم الحکومة له والدخول الکامل للرئیس الفرنسی فی هذه الخطوة غیر اللائقة. والسؤال المطروح الآن هو لماذا دعمت الحکومة الفرنسیة وماکرون نفسه مثل هذه الأعمال الإستفزازیة ضد المسلمین؟ هل الأمر یتعلق حقًا بحریّة التعبیر أم أنّ هناک أهدافًا أخرى وراء تصرفات ماکرون؟

فی استراتیجیة الولایات المتحدة الجدیدة للشرق الأوسط المسماة التوازن عن بُعد (Offshore Balance)، والتی تهدف إلى مراقبة المنطقة والتحکم فیها عن بعد، یجب تعویض ذلک بأن یکون هناک ممثل معتمد من البیت الأبیض. الشرط المسبق لانسحاب الأمریکیین وضمان الإستقرار فی المنطقة هو التسویة النهائیة للقضیة العربیة الإسرائیلیة المزمنة، والتی تتمثل خطتها فی إنهاء الأزمة وإغلاق ملف فکرة الحکومتین الفلسطینیة والإسرائیلیة إلى الأبد. کما یبدو أن الأوروبیین قد توصلوا إلى نتیجة مفادها أن أمن المنطقة واستقرارها یکمن فی التخلی عن فکرة وجود حکومتین.  لذلک، فإنّ فرنسا، بسبب تاریخها المستعمر فی المنطقة، لدیها وضع أکثر ملاءم للنشاط من الدول الأوروبیة الأخرى. إنها تحاول إثبات کفاءتها لتعویض النقص فی الوجود الأمریکی من خلال لعب دور متوازن فی المنطقة. فی هذا الصدد، بجدر دراسة وتحلیل النشاط المفرط لفرنسا فی السیاسة الخارجیة، لا سیما فی منطقة غرب آسیا، التی یعتبر لبنان مثالًا رئیسیًا لها، فضلاً عن دعمها للحرکات المعادیة للإسلام فی شارلی إبدو.

رأى هنری کیسنجر فی خطابه الأخیر، أن فکرة تغیّر استراتیجیة بایدن فی الشرق الأوسط هی مجرّد وهم. هذه إشارة للأوروبیین على أنّ السیاسة الخارجیة للولایات المتحدة فی المنطقة لن تتغیر مع انتقال الحکومات الجمهوریة والدیمقراطیة. لذا، فإنّ الدول الأوروبیة الثلاث، سیما فرنسا، یدرکون هذه الحقیقة ویتخذون نهجًا یوحی بنوع من التقارب مع المواقف الأمریکیة، وإدراکاً منهم لهذه الحقیقة إنهم یوائمون سیاستهم فی المنطقة مع واشنطن. بهذه المقدمة، أعود إلى السؤال أعلاه: ما هی أهداف عمل ماکرون؟ یمکن تحلیل الإجابة فی عدة أجزاء.

الأهداف الوطنیة:

  • محاولة ماکرون للفوز بأصوات فی الإنتخابات الرئاسیة فی فرنسا 2022: یسعى ماکرون للفوز بجزء کبیر من الرأی العام الیمینی من خلال تسلیط الضوء على قضایا الهویة، بما فی ذلک مهاجمة المواقف الإسلامیة (وفقًا لاستطلاعات الرأی، والتی زادت شعبیة ماکرون بعد مواقفه الأخیرة).
  •  محاولة ماکرون لتمریر مشروع قانون (مکافحة الإنفصالیة الإسلامیة) فی البرلمان الفرنسی:

 

حکومة فرانسوا هولاند - الرئیس السابق - إقترحت على البرلمان مشروع قانون یهدف إلى مکافحة تمویل المراکز الإسلامیة الفرنسیة من قبل الدول الأجنبیة لکن لم یتم التصویت علیه. یعتزم ماکرون تقدیم مشروع القانون إلى البرلمان مرة أخرى. ومن الممکن أن یکون الوضع الحالی فی صالحه لتمریره.

السیاسیون الفرنسیون یدرکون ذلک جیدًا أنه لا یمکن إبعاد المسلمین عن المشهد الإجتماعی والسیاسی للبلاد، وینبغی أن ترکز استراتیجیاتها على تغییر الهویة الإسلامیة. فی الواقع، تبحث فرنسا عن نوع من الإسلام الفرنسی الذی لا یتعارض مع الموقف العلمانی.

 الأهداف العبر الوطنیة:

  • محاولة أوروبا لإستغلال ضعف العالم الإسلامی من أجل تقویة موقف النظام الصهیونی: بسبب عدم رد المسلمین بشکل مناسب بشأن قضیة تطبیع العلاقات بین العرب والنظام الصهیونی، لقد أصبحت حکومة الفرنسیة اکثر تصمیماَ على إتخاذ مواقف متشددةً ضد الإسلام وخلق أرضیة لتجاهل حقوق الفلسطینیین. وفقًا لاستطلاعات الرأی فی بعض مراکز الأبحاث الأوروبیة، تضاءلت مخاوف المسلمین بشأن المعاییر الإسلامیة والأفکار الدینیة والهویة، ویتابع المسلمون بشکل متزاید القضایا الإقتصادیة والإجتماعیة.
  • إن الأمن والاستقرار فی الشرق الأوسط أمران حیویان لأوروبا. بعد عقود من الجهود الفاشلة، تحولت النظرة الأوروبیة إلى حقیقة أن تحقیق الإستقرار والأمن یعتمد على حل مشکلة النظام الصهیونی، وفکرة وجود حکومتین مستحیلة عملیاً لأسباب عدیدة، أهمها معارضة الکیان الصهیونی والولایات المتحدة. وبالتالی، فإن خطوة ماکرون الأخیرة یمکن أن تعزز مصداقیة فرنسا کلاعب أمریکی مرغوب فیه فی المنطقة.
  •  بالنظر إلى طموحات أردوغان فی السیاسة الخارجیة والتوترات فی العلاقات مع فرنسا، دعا ماکرون إلى مواجهة مع أردوغان وتشویه صورته بین المسلمین.
  •  الغرض الآخر من هذا الإجراء للحکومة الفرنسیة هو استطلاع للرأی العام فی العالم الإسلامی تجاه القضیة الأکثر أهمیة وحساسیة، وهی موقع الرسول الأعظم(ص)، والتی یمکن أن تکون معیارًا جیدًا لتقییم رد فعل العالم الإسلامی ضد مخطط صفقة القرن. یشیر تنسیق ودعم الحکومة الألمانیة ورئیس الوزراء البریطانی لمواقف ماکرون وأفعاله فی موضوع الرسوم الکاریکاتوریة المهینة إلى دافع وخطة تتجاوز حریة التعبیر، ویمکن أن یکون السبب تقسیم الأدوار فی سیناریوهات مستقبلیة للمنطقة، بالطبع بالتنسیق والضوء الأخضر للولایات المتحدة و النظام الصهیونی فی شکل مخططات شریرة أعدوها للشرق الأوسط.

 "إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است