مستقبل مجموعة فاغنر فی أفریقیا بعد وفاة بریغوجین

وأثار تأکید الکرملین وفاة یفغینی بریغوجین فی الأسابیع الأخیرة المخاوف فی عدد من العواصم الإفریقیة، بما فی ذلک طرابلس وبانکی وباماکو. وفی السنوات القلیلة الماضیة، تعاونت مجموعة فاغنر مع ما یقرب من نصف دول هذه القارة، بما فی ذلک لیبیا والسودان وموزمبیق وبورکینا فاسو ومالی وجمهوریة أفریقیا الوسطى والنیجر وتشاد وغیرها،
3 ربيع الأول 1445
رویت 520
محمد نیکخواه

وأثار تأکید الکرملین وفاة یفغینی بریغوجین فی الأسابیع الأخیرة المخاوف فی عدد من العواصم الإفریقیة، بما فی ذلک طرابلس وبانکی وباماکو. وفی السنوات القلیلة الماضیة، تعاونت مجموعة فاغنر مع ما یقرب من نصف دول هذه القارة، بما فی ذلک لیبیا والسودان وموزمبیق وبورکینا فاسو ومالی وجمهوریة أفریقیا الوسطى والنیجر وتشاد وغیرها، مستغلة الثغرات الأمنیة فی أفریقیا. و تشیر التوقعات إلى أنه عند وفاة زعیم هذه المجموعة، ویبلغ عدد قوات هذه المجموعة ما لا یقل عن 5000 عنصر، معظمهم من المرتزقة والقواعد العسکریة، وتتواجد فی دول القارة السوداء شبکة معقدة من شرکات وعصابات التجارة والتهریب والأمن المختلفة، بدءاً من المناطق المستقرة نسبیًا فی القارة مثل غانا ونیجیریا إلى المناطق غیر المستقرة مثل السودان ولیبیا. إلا أن هذا الحضور والنفوذ کان أقوى بکثیر فی دول مثل لیبیا والسودان وأفریقیا الوسطى ومالی.

وکانت الحرب الأهلیة فی لیبیا بمثابة مدخل مجموعة فاغنر إلى أفریقیا. قاتل أعضاء فاغنر إلى جانب خلیفة حفتر منذ عام 2014 ، و حتی عام 2020، کان هناک حوالی 2000 عنصر من قوات فاغنر متواجدة فی لیبیا الذی لعب دوراَ رئیسیاً فی محاولة حفتر الاستیلاء على طرابلس فی عامی 2019 و2020. ورغم أن عدد قوات فاغنر انخفض قلیلاً فی لیبیا بعد الحرب الأوکرانیة، وانضم بعضهم بشکل مباشر إلى جبهات الحرب فی أوکرانیا؛ ولا یزال للجیش الروسی ومجموعة فاغنر قاعدتان منفصلتان فی هذا البلد. على الجانب الآخر، لا ترى القوات الموالیة لروسیا، بما فی ذلک خلیفة حفتر، لنفسها مستقبلاً کبیراً دون مساعدة الروس ومجموعة فاغنر.

وفی السودان، تعاونت مجموعة فاغنر مع قوات الأمن السودانیة منذ عهد عمر البشیر. واتهم الأمریکیون شرکة فاغنر فی السودان بالتحایل على عقوبات السودان وتهریب کمیات کبیرة من الذهب من السودان إلى روسیا وفی عام 2020، أُضیف اسم فاغنر أیضًا إلى قائمة العقوبات المتعلقة بالسودان. وفی عام 2023، زعم الأمریکیون أن هناک أثرًا قویًا لفاغنر فی الصراعات الأخیرة فی السودان وفی أحدث تحرکاتها، أرسلت هذه المجموعة کمیات کبیرة من الذخیرة، بما فی ذلک صواریخ أرض جو، إلى قوات الرد السریع السودانیة، التی تقاتل ضد جیش البلاد وتجاوزت الجهود الدولیة لوقف إطلاق النار بین الأطراف المتصارعة فی السودان و الإستمرار فی الصراع.

وفی دولة مالی، أفادت التقاریر أن جیش الدولة الواقعة فی غرب إفریقیا ومجموعة فاغنر وقعا عقدًا فی عام 2021 لدعم العملیات ضد الإسلامیین المتطرفین، وتزامن ذلک مع زیادة الأسلحة الروسیة إلى مالی. وبموجب هذا العقد، دخل ما بین 1000 إلى 1500 مقاتل من فاغنر إلى مالی مقابل دفعة شهریة قدرها عشرة ملایین دولار تدفعها حکومة باماکو لشرکة فاغنر القابضة. تسبب وجود فاغنر فی مالی، إلى جانب القتال ضد المتطرفین المسلحین، فی حدوث تغییرات خطیرة فی شکل ومواقف حکومة مالی، وأصبحت باماکو مناهضة لفرنسا بشکل متزاید حتى قررت فرنسا الانسحاب فی عام 2022، مشیرة إلى مخاوف بشأن فاغنر والتوترات الدبلوماسیة الأخرى وسحب أکثر من 2000 من قواته من مالی المتمرکزة فی المنطقة تحت غطاء مکافحة الإرهاب.

وفی جمهوریة أفریقیا الوسطى، قامت مجموعة فاغنر لأول مرة باستیراد عدد من مقاتلیها بحجة مساندة رئیس هذا البلد ضد المتمردین. وهذه القوات، التی بدأت فی البدایة العمل کمستشارین روس، تزایدت بسرعة، وبحسب التقاریر فإن عدد قوات فاغنر القابضة فی هذا البلد وصل إلى 1890 هذا العام. وبعد انتصارات حکومة أفریقیا الوسطى، تمکنت مجموعة فاغنر من السیطرة بشکل غیر مسبوق على احتیاطیات الذهب فی هذا البلد الأفریقی و تم نقل کمیات کبیرة من هذه الذهب إلى روسیا، التی کان لها فی ذلک الوقت دور مهم للغایة فی الحفاظ على الآثار السلبیة للعقوبات على الروبل الروسی. بالإضافة إلى ذلک، فإن الاستغلال غیر المحدود الذی منحته حکومة أفریقیا الوسطى للشرکات التی تغطیها فاغنر لقطع الأشجار الاستوائیة وتجارة الأخشاب الباهظة الثمن والنادر من هذه الأشجار جلبت أرباحًا کبیرة لشرکة فاغنر القابضة. کما تمکنت الشرکات التابعة لهذه المجموعة من منافسة الشرکات الفرنسیة القدیمة فی فترة قصیرة بدعم من حکومة أفریقیا الوسطى لطردها من المیدان فیما یتعلق بتوىید و تأمین السکر وإنشاء أول مصنع لإنتاج المشروبات الکحولیة والبیرة بقدرة تصدیریة عالیة فی هذا البلد الأفریقی.

 وهذا الحضور الذی یشار إلیه فی الأوساط الغربیة بالنفوذ الروسی الخبیث فی أفریقیا و خاصة بعد حرب أوکرانیا، فقد تم تنسیقها بشکل أعلى بکثیر مع أهداف موسکو فی تحدی مصالح الغرب فی أفریقیا وتعمیق نفوذ روسیا فی دول هذه القارة.  وعلى الرغم من أن روسیا کانت لدیها اتفاقیات تعاون عسکری وأسلحة مع ما لا یقل عن 18 دولة أفریقیة قبل حرب أوکرانیا؛ وقد أدى وجود هذه المجموعة إلى زیادة کبیرة فی الحاجة إلى الأسلحة الروسیة والأمن فی أفریقیا. ویعتبر نشاط هذه المجموعة أحد العوامل المؤثرة فی التصویت السلبی وامتناع ما لا یقل عن 24 دولة أفریقیة عن القرار الغربی المناهض لروسیا بعد حرب أوکرانیا.

مع کل هذا الاهتمام بالدول الأفریقیة المرتبطة بفاغنر، بدأ الأمر عندما شکل بریجوزین تمردًا لا نهایة له على جبهات حرب روسیا مع أوکرانیا و آغضب الکرملین لاحقاً، متعاقب آن مغضوب کرملین قرار گرفت. بعد هذا التمرد، أمر بوتین مرتزقة فاغنر إما بالعودة إلى منازلهم، أو الذهاب إلى بیلاروسیا، أو تجنیدهم فی الجیش الروسی، وأثار ذلک شکوکا لدى بعض الزعماء الأفارقة فی أن عدم دعم موسکو لفاغنر قد یشکل خطرا علیهم وسیتم إضعافهم أمام المعارضین الداخلیین والخارجیین الذین تعاملوا معهم من خلال الاعتماد على دعم هذه المجموعة.

ومع ذلک، حتى وفاة بریغوجین، کان هناک على الأقل أمل للأفارقة المرتبطین بهذه المجموعة فی أن یقوم بوتین فقط بتعلیق أنشطة فاغنر العسکریة على جبهات أوکرانیا وداخل روسیا وسیستمر تعاون روسیا مع فاغنر خارج حدود روسیا، بما فی ذلک أفریقیا. خاصة وأن مجموعة فاغنر کانت حذرت القادة الأفارقة مرات عدیدة من أن مقاتلیهم یتم تمویلهم من قبل فاغنر القابضة فقط ولیس من روسیا. کل هذا جعل الأفارقة یأملون فی التوصل إلى تسویة فی الکرملین، حیث یتمکن بریجوزین من الحفاظ على السیطرة والمسؤولیة النهائیة عن العملیات فی أفریقیا، حتى من منفاه فی بیلاروسیا.

لکن الموت المفاجئ والمریب لبریغوجین مع خلیفته وبعض العناصر الأساسیة فی المجموعة فی حادث تحطم طائرة وفی داخل روسیا، زاد ذلک من شکوک الدول الإفریقیة الجدیة بشأن هذه المجموعة، خاصة القادة الذین تفاعلوا وتعاونوا مع فاغنر أکثر من غیرهم. لأنهم یعلمون أن مصالح روسیا وهذه المجموعة فی أفریقیا متشابکة إلى درجة أنه لا یمکن الفصل بینهما بسهولة وفی وقت قصیر. وبالإضافة إلى ذلک، فإن الصراع بین هذه المصالح ومصالح الغرب فی أفریقیا کان قویاً لدرجة أنه فی غیاب هذه المجموعة، فإنها ستواجه بالتأکید انتقاماً خطیراً من الغرب. وقد یکون لذلک عواقب خطیرة على کل من سهل وتعاون مع دخول فاغنر إلى أفریقیا.

ویتعلق جزء من هذا الغموض بشکل مباشر بقوات فاغنر المرتزقة الموجودة فی أفریقیا وأنه إذا تم قطع تمویلهم فی منتصف القتال ولم یتمکنوا من الحصول على الأجور أو ترکوا دون دعم کاف فی البلدان التی تواجه هی نفسها الفقر والحروب الأهلیة وحرکات التمرد الخطیرة، فهل سیکون رد فعل أمراء الحرب هؤلاء، الذین یتم اختیارهم بشکل رئیسی من بین المجرمین والمدانین وإرسالهم إلى أفریقیا؟  هل سیعودون إلى بلدانهم أو یندمجون فی المجتمع الأفریقی أم سیتم استیعابهم من قبل الجماعات المتطرفة المحلیة؟

والسؤال التالی هو کیف سیتم ملء فراغ السلطة الذی خلقته بعض هذه الحکومات؟ على سبیل المثال، فی حین أن مالی محاطة بالتطرف فی الصحراء والقوات الفرنسیة وحتى القوات الأممیة غادرت هذا البلد، وفی غیاب قوات فاغنر کیف سیتم تعویض هذا الفراغ فی السلطة؟ خاصة عندما تکون المعارضة المسلحة المتطرفة متحمسة مرة أخرى أو عندما یرید الغربیون الانتقام من الماضی.

والمسألة الأخرى هی مصالح الأطراف التی تم الحصول علیها من خلال العقود والتعارضات الرسمیة وغیر الرسمیة مع شرکة فاغنر القابضة. جزء کبیر من هذه المصالح غیر الوطنیة یشمل طاولات الألعاب من ناحیة کان هناک القلة الروسیة والمافیا، وعلى الجانب الآخر کان هناک أصحاب النفوذ الأفارقة المحلیین. وماذا سیکون مستقبل هذه المصالح؟ سؤال ربما یدور فی أذهان الأفارقة المعنیین. وفی هذا الصدد، فإن مصیر العدید من الشرکات التی شکلتها فاغنر أو بالاشتراک مع هذه المجموعة مع حکومات أفریقیة وأشخاص متنفذین، یعد بدوره أحد أهم الاهتمامات خاصة وأن الکثیر من هذه المصالح خرجت من أیدی الشرکات والأفراد الغربیین ونظراً لطبیعة أنشطة فاغنر، فإن الکثیر منها یفتقر ببساطة إلى عقود ساریة ویعتمد على علاقات شخصیة مع أصحاب النفوذ الأفارقة المحلیین.

وعلى الرغم من أن المسؤولین الروس، بما فی ذلک وزیر الدفاع، بدأوا رحلات وتحرکات إلى الدول الأفریقیة لطمأنة حلفائهم، إلا أن کل شیء لم ینته بالنسبة لفاغنر بوفاة بریجوزین وحتى اسم تاجر الأسلحة الکبیر فیکتور بوت قد ذکر خلفا له، لکن بالنظر إلى شخصیة بیرجوجین الکاریزمیة، یبدو أن مجموعة فاغنر، فی حال نجت، لن تکون قادرة على لعب نفس الدور الذی کانت علیه من قبل. ولا تخفى هذه الأهمیة على أعین الأفارقة الذین شاهدوه مرات عدیدة ومعه حقائب ملیئة بالأموال وکمیات کبیرة من الأسلحة التی وزعها شخصیا على أفراد جماعته.

وفی حال الانهیار الکامل لمجموعة فاغنر فی أفریقیا، لیس من الواضح ما الذی سیحدث لبعض القادة والنخب والناشطین الأفارقة الذین عملوا مع هذه المجموعة. والسؤال الأساسی هو هل ستتمکن روسیا من ملء منصب فاغنر الشاغر فی العلاقات مع حلفائها الأفارقة أم لا؟

محمد نیکخواه، خبیر أول فی مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة

 "إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة" 

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است