معرکة غزة والسیناریوهات المستقبلیة

یعد حدث ۷ أکتوبر ۲۰۲۳ (۱۵ مهر ۱۴۰۲) فی غزة ومنطقة الاحتلال المحیطة بها حدثا فریدا ومهما فی تاریخ الصراع الفلسطینی من زوایا مختلفة. قطاع غزة، باعتباره نقطة الانطلاق لهذه العملیة المتعددة الطبقات والمعقدة، عبارة عن منطقة جغرافیة صغیرة تبلغ مساحتها ۳۶۴ کیلومترا مربعا، ویبلغ عدد سکانها ملیونین ومائتین وعشرین ألف نسمة (إحصائیات ۲۰۲۳). )، هی النقطة الأکثر کثافة سکانیة فی العالم (مع أکثر من ۶ آلاف مائة شخص لکل کیلومتر مربع).
25 ربيع الأول 1445
رویت 373
حسین جابری الانصاری


 یعد حدث 7 أکتوبر 2023 (15 مهر 1402) فی غزة ومنطقة الاحتلال المحیطة بها حدثا فریدا ومهما فی تاریخ الصراع الفلسطینی من زوایا مختلفة.  قطاع غزة، باعتباره نقطة الانطلاق لهذه العملیة المتعددة الطبقات والمعقدة، عبارة عن منطقة جغرافیة صغیرة تبلغ مساحتها 364 کیلومترا مربعا، ویبلغ عدد سکانها ملیونین ومائتین وعشرین ألف نسمة (إحصائیات 2023). )، هی النقطة الأکثر کثافة سکانیة فی العالم (مع أکثر من 6 آلاف مائة شخص لکل کیلومتر مربع).

هذه الحقائق جعلت من قطاع غزة، مقارنة بغیره من المناطق المحتلة فی فلسطین (خاصة الضفة الغربیة)، البؤرة الأساسیة وبرکان المقاومة الشعبیة الفلسطینیة، کما خرج من قطاع غزة معظم قیادات حرکات المقاومة الفلسطینیة المعروفة و مخیمات اللاجئین فی هذه المنطقة.

 

لقد فرض الحصار الإسرائیلی الشامل على قطاع غزة على قطاع غزة منذ عام 2007، بحیث أن التوازن الذی أدى إلى انتصار الحرکة الداعمة للمقاومة النشطة ضد إسرائیل فی عملیتها الداخلیة، تمت إدارته من خلال المنشطات الإسرائیلیة والتدخلات الخارجیة، و تم استخدامه لسیاسة التسویة التی تنتهجها قیادة فتح. حصار طویل الأمد وخانق، وکانت النتیجة الوحیدة من بین نتائجه العدیدة والواسعة النطاق هی ارتفاع معدل البطالة فی غزة إلى 80% (أعلى معدل بطالة فی العالم).  فقط منذ 2008 وحتى 2020 (بحسب الإحصائیات الرسمیة للأمم المتحدة) استشهد 5590 فلسطینیا، معظمهم من غزة.  وفی الوقت نفسه، وبحسب نفس الإحصائیات، قُتل 251 إسرائیلیاً فقط خلال هذه الفترة.


والحقیقة أن انتصار إسرائیل فی الحروب العربیة الإسرائیلیة کان أکثر من نتیجة قوة إسرائیل الاستثنائیة، بل کان نتیجة الضعف الشدید للجیوش وتبعیة الحکومات العربیة وأخطاء وخیانات الساسة العرب التی لا یمکن إصلاحها. ، وتجربة الانتفاضات الفلسطینیة فی التآکل الشدید للجیش والحکومة الإسرائیلیة وتجربة مقاومة لبنان وغزة فی فرض الانسحاب الأحادی وغیر المشروط لإسرائیل من الأراضی المحتلة فی لبنان (2000) وقطاع غزة ( (2005) والمعارک اللاحقة، وخاصة معرکة 7 أکتوبر، أظهرت بوضوح أن إسرائیل لیست فقط منیعة لا تقهر، ولکن إذا توفرت الإرادة والإصرار، فإن المقاومة المنظمة والمقاومة الهادفة وتلقی المقاومة الحد الأدنى من الدعم من عدد من الدول العربیة والإسلامیة، هناک هو احتمال فرض الهزیمة والتراجعات غیر المشروطة على إسرائیل.


وتکمن أهمیة المعرکة الکبرى الأخیرة فی غزة فی أن حرکة حماس، إلى جانب حرکات المقاومة الفلسطینیة الأخرى، وخاصة حرکة الجهاد الإسلامی، تتواجد فی شریط ساحلی صغیر (طوله 41 کیلومترا وعرضه من 6 إلى 12 کیلومترا) وتحت حصار شبه کامل من قبل قوات الاحتلال. العدو (من البر والجو والبحر) وتحت المراقبة والتجسس المستمرین من قبل المؤسسات العسکریة والأمنیة والاستخباراتیة الإسرائیلیة المزودة بأحدث المرافق التکنولوجیة والقوات المتخصصة، یستعدون لمثل هذه العملیة الکبیرة والمعقدة منذ فترة طویلة. وتمکنوا من إدارة الأمر بما لا یتسرب إلى العدو الإسرائیلی.

بحیث أصبحت العملیة التی جرت صباح یوم 7 أکتوبر حدثًا مفاجئًا ومثیرًا للدهشة وواحدة من أکبر الإخفاقات الاستخباراتیة والعسکریة لإسرائیل فی تاریخ الصراع الفلسطینی الممتد لعقود.

لکن الأهمیة الاستراتیجیة لمعرکة 7 أکتوبر 2023 تتمثل فی التحول من الوضع الدفاعی إلى الوضع الهجومی لأول مرة فی تاریخ المقاومة الفلسطینیة ضد الاحتلال الصهیونی.  هذه هی المرة الأولى فی تاریخ نضال الأمة الفلسطینیة التی یبادر فیها الفلسطینیون بالمبادرة الهجومیة، وفی حدث تاریخی ونادر، تمکنوا من الاستیلاء على مساحة تقارب مساحة قطاع غزة داخل غلاف الاحتلال وحولها، مما أدى إلى مقتل مئات الإسرائیلیین، وإصابة مئات آخرین، وأسر عدد کبیر منهم ونقلهم إلى قطاع غزة.  فی ضوء عملیة 7 أکتوبر 2023 غیر المسبوقة، تجنی الحکومة الإسرائیلیة الحصاد الذی زرعته منذ احتلال فلسطین بسیاسات قائمة على الاحتلال وإرهاب الدولة والفصل العنصری المناهض للفلسطینیین، وفی العقود الثلاثة الماضیة من خلال فرض جمود کامل فی عملیة السلام.

والآن، إسرائیل فی خضم معرکة مزدوجة مع غزة، ومن یختارها سیضطر إلى دفع المزید.  فإذا أراد أن یدخل قطاع غزة بغزو واسع النطاق للقضاء على المقاومة کما یدعی، فإنه سیقع فی مستنقع غزة والأنفاق تحت الأرض وحرب عصابات واسعة النطاق، یمکن أن تجعل نتائجها المعرکة الأخیرة غزة بکل عظمتها وأهمیتها فی مواجهة الصغیرة.

وفی أفضل الأحوال، حتى لو نجحت إسرائیل فی دخول غزة بمذبحة واسعة النطاق، فإنها لن تتمکن من الاحتفاظ بها وستضطر إلى الخروج منها مرة أخرى لنفس الأسباب التی اضطرت إلى الخروج منها من قبل.  بالإضافة إلى ذلک، فی حالة حدوث قتل جماعی، فإن کامل المناطق الفلسطینیة فی الضفة الغربیة والأراضی المحتلة عام 1948 ستتحول إلى انتفاضة شاملة، والتی تم تأجیلها منذ بدایة عملیة السلام ووصولها إلى الطریق المسدود، مع استمرار عملیة السلام و مع لطائف الحیل من السیاسیین الإسرائیلیین والفلسطینیین.


ولکن إذا اقتصرت، على الرغم من شعارات القضاء على المقاومة الشرسة والناریّة، مثل المعارک السابقة فی غزة، على قصف المناطق السکنیة فی غزة وقتل عدد کبیر من المواطنین الفلسطینیین، فإن إسرائیل ستفقد قوتها الردعیة ومصداقیتها کدولة مهیمنة. قوة فی فلسطین وإحدى القوى الإقلیمیة، وأمام المقاومة التقدمیة والمبتکرة والجیل الجدید من الفلسطینیین الذین یتجاوزون حتى جماعات المقاومة سعیاً لتحقیق أهدافهم فی الحیاة الحرة والمستقلة، سیضطرون إلى التراجعات المتتالیة.

ومن أجل إدارة الأوضاع الجدیدة والسیطرة علیها، تحاول إسرائیل تحویل المعرکة الحیویة الحالیة ضد نفسها إلى معرکة عالمیة.  إن الشائعات التی تقول إن الحدث والمعرکة الحالیة فی غزة هی نتیجة 11 سبتمبر لإسرائیل والمنطقة هی محاولة مستهدفة للغرب والولایات المتحدة للدخول إلى مسرح التطورات والتعامل مع الجبهة ضد إسرائیل على حسابهما الخاص. وبالنظر إلى أولویات الولایات المتحدة لاحتواء الصین وروسیا وتورط الغرب وحلف شمال الأطلسی فی حرب أوکرانیا، فإن احتمال حدوثها منخفض للغایة.  إضافة إلى ذلک، یبدو أن الولایات المتحدة وأوروبا، اللتین لم تتمکنا من إجبار حق إسرائیل الحاکم على دفع الحد الأدنى من تکالیف عملیة السلام، وهم لا یرون أی سبب للتعاون معها واستبدال أولویاتهم الاستراتیجیة العالمیة بأولویات الیمین الإسرائیلی.

ینبغی للأحداث الأخیرة فی فلسطین أن تحمل على الأقل هذا الدرس السیاسی والاستراتیجی الکبیر لجمیع السیاسیین فی المنطقة والعالم: حتى یتم تأمین حقوق الشعب الفلسطینی، لن یکون هناک سلام، وما یسمى أیضا بأمن إسرائیل هو لا شیء أکثر من وهم. إسرائیل، وخاصة الیمین الوهمی الذی یحکمها، تعتقد أن مثل هذه المعادلة المستحیلة ممکنة.  وفی خطابه الأخیر فی الجمعیة العامة للأمم المتحدة، ومن خلال إذلال الفلسطینیین وإعلانهم أنهم لا یشکلون سوى 2% من الشعب العربی، سعى نتنیاهو إلى ترسیخ المفهوم غیر الواقعی للقیادة الإسرائیلیة بأن السلام وتطبیع العلاقات بین إسرائیل والدول العربیة. کما أن 98% من العرب الآخرین سوف یجعلونهم سیضطرون إلى الاستسلام. لکن معرکة غزة، بعد وقت قصیر من هذا الخطاب، أظهرت بوضوح أن هناک فجوة کبیرة بین خیال الحرکة الحاکمة الإسرائیلیة وواقع المشهد الفلسطینی.

 لکن الیقظة ضد إسرائیل هی ضرورة واضحة.  إن تعقیم جهود نتنیاهو وإسرائیل لمحو القضیة الأساسیة، وهی احتلال فلسطین، من خلال تصدیر الأزمة إلى خارج الأراضی الفلسطینیة المحتلة، یتطلب أعلى درجات الوعی والیقظة.

 حسین جابری الانصاری، خبیر أول فی مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة

"إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة" 

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است