قمة الریاض من التوقعات إلى الواقع

وشهدنا فی الأیام الماضیة انعقاد قمة استثنائیة للدول الإسلامیة فی الریاض. وکما أکد السید حسن نصر الله فی خطابه الأخیر، فإن الفلسطینیین، وخاصة أهل غزة، کانوا یتمنون هذا اللقاء، وکان متوقعاً أن نرى فی نهایته قراراً جماعیاً وجاداً ورادعاً من الدول الإسلامیة.
1 جمادى الأولى 1445
رویت 334
محمد مهدی مظاهری

وشهدنا فی الأیام الماضیة انعقاد قمة استثنائیة للدول الإسلامیة فی الریاض.  وکما أکد السید حسن نصر الله فی خطابه الأخیر، فإن الفلسطینیین، وخاصة أهل غزة، کانوا یتمنون هذا اللقاء، وکان متوقعاً أن نرى فی نهایته قراراً جماعیاً وجاداً ورادعاً من الدول الإسلامیة. وفی رسالة إلى الاجتماع الاستثنائی لرؤساء الدول العربیة والإسلامیة فی العاصمة السعودیة، طالبتهم حرکة المقاومة الإسلامیة حماس باتخاذ قرار تاریخی ومصیری بإرسال الغذاء والماء والمواد الطبیة والوقود إلى غزة وتحسین الأوضاع الإنسانیة. وضع المستشفیات فی هذه المنطقة، یستخدمون کل أدوات قوتهم العربیة والإسلامیة للضغط على أمریکا باعتبارها الداعم الرئیسی للنظام الصهیونی.

با لکن لسوء الحظ، لم تتحقق هذه التوقعات واکتفى المشارکون فی هذه القمة بإصدار بیان یدین الهجمات وجرائم الحرب التی یرتکبها النظام الصهیونی ضد شعب غزة ویطالبون بوقف فوری للحرب وکسر الحصار المفروض على غزة وإرسال وتسیر قوافل المساعدات الإنسانیة العربیة الإسلامیة والدولیة إلى هذه المنطقة. ورغم أن الأعضاء المشارکین فی هذا الاجتماع طلبوا من المدعیة العامة للمحکمة الجنائیة الدولیة البدء بتحقیق فوری حول جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانیة التی یرتکبها النظام الصهیونی فی جمیع أنحاء الأراضی الفلسطینیة المحتلة، بما فیها القدس الشرقیة، لکنهم لم یتوصلوا إلى نتیجة لفرض أی عقوبات أو تهدیدات مشترکة أخرى.

وبطبیعة الحال، کانت مواقف وکلمات الرؤساء وغیرهم من کبار المسؤولین المشارکین فی هذا الاجتماع متسقة وحازمة نسبیا، لکنها فی النهایة لم تؤد إلى إنجاز ملموس وفعال یمکن أن یقلب دفة الحرب فی غزة. السؤال هو لماذا؟  فکیف لا یمکن لدولة إسلامیة، عضو فی منظمة التعاون الإسلامی، والتی تضم فی عضویتها قوى إقلیمیة مؤثرة مثل الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة والمملکة العربیة السعودیة وترکیا ومصر وقطر وإندونیسیا ومالیزیا، أن تتوصل إلى اتفاق قرار حل الکارثة فی غزة الذی نفذه الکیان الصهیونی وبدعم مباشر من الولایات المتحدة، نهایة لما یحدث؟!

ربما یکون الجواب الأساسی هو المصالح والأهداف السیاسیة المختلفة والمتناقضة لأعضاء هذه المنظمة؛  على الرغم من أن الدول الأعضاء فی منظمة التعاون الإسلامی تمتلک أدوات ضغط قویة مثل العقوبات الاقتصادیة وعقوبات الطاقة بسبب عدد سکانها الضخم وموارد الطاقة الغنیة، إلا أن آفاقها السیاسیة المستقبلیة على الساحتین الدولیة والإقلیمیة لیست واحدة.

 وبینما ترید دول مثل إیران وسوریا تعزیز جبهة المقاومة فی المنطقة، وتدمیر النظام الصهیونی، وتشکیل دولة فلسطینیة مستقلة، وانسحاب أمریکا من المنطقة، فإن معظم الدول العربیة فالدول، وبالطبع ترکیا إلى حد ما، ترید الوصول إلى السلطة والانتصار، وتخشى جبهة المقاومة ولا تراها متوافقة مع مصالحها وأمنها وتؤید حل الدولتین. بالإضافة إلى ذلک، لا أحد منهم یرید تدمیر النظام الصهیونی وانسحاب أمریکا الکامل من المنطقة.  ونتیجة لذلک، وبسبب هذه الأهداف والمقاربات المتناقضة، تعقد اجتماعات متتالیة من القاهرة إلى الریاض، لکنها لا تصل إلى نتیجة ملموسة ولا تشفی وجع أهل غزة.

سبب آخر لعدم حسم اجتماع الدول الإسلامیة هو الاختلاف فی نهجها تجاه میثاق إبراهیم والمصالحة السیاسیة مع النظام الصهیونی، بینما تعتبر إیران وأعضاء جبهة المقاومة الأخرى تطبیع العلاقات مع النظام الصهیونی خیانة للقضیة الفلسطینیة وسببا لتجاوزات النظام الصهیونی فی السنوات الأخیرة. وفی مواجهة هذه الحرب، لا ترید الدول العربیة فی الخلیج العربی تدمیر کل الجسور التی تقف خلفها، وجعل علاقاتها مع أمریکا وحتى النظام الصهیونی مظلمة وباردة تماما، و نتیجة لذلک، فقد تبنوا سیاسة ، واحد فی المسمار وواحد للحذاء وحاولوا عدم تجاوز حدود الخطابات الخطابیة والخطابات الحادة. کما أن حضورهم وأدوارهم فی مختلف اللقاءات العربیة الإسلامیة هو أیضاً من أجل الحفاظ على صورتهم ومصداقیتهم على الساحة المحلیة والدولیة وعدم وصمهم باللامبالاة، لکنهم فی الوقت نفسه یتجنبون تبنی أی سیاسة وقرار من شأنه أن یضع أمریکا والکیان الصهیونی تحت ضغوط جدیة ویؤثر سلبا على العلاقات المستقبلیة معهم.

وفی مثل هذا الوضع، لا بد من القول إنه على الرغم من أن هجوم حماس فی 7 أکتوبر على النظام الصهیونی وبدء الحرب الدمویة فی غزة، أخرا عملیة المصالحة السیاسیة وتحسن وتطویر العلاقات بین بعض الدول العربیة بما فیها السعودیة مع الکیان الصهیونی وهو أمر متوقع بسبب النهج الإجرامی والمعادی للإنسانیة الذی یتبعه هذا النظام فی حرب غزة واعتداءه على المراکز الطبیة والأطفال والنساء ، وسنشهد فی المستقبل القریب استمرار تنامی‌کراهیة الشعوب العربیة للکیان الصهیونی، والفشل فی توفیر شروط المصالحة بین العرب والکیان الصهیونی، لکن نهج الدول العربیة والإسلامیة فی اجتماع الریاض الأخیر أظهر أن هذه السیاسة لن تستمر.

 إن النهایة غیر الحاسمة لاجتماع الریاض وعدم اتفاق الدول الإسلامیة المشارکة على تنفیذ قرارات صارمة وعقوبات جدیة ضد النظام الصهیونی والولایات المتحدة تشیر إلى أن هذه الدول لا تزال لدیها خطط لمستقبل علاقاتها مع النظام الصهیونی. وقد لا تسعى سلطات هذه الدول إلى تطبیع العلاقات مع مثل هذا النظام القاتل للأطفال على المدى القصیر من أجل تهدئة الرأی العام الجریح فی الدول الإسلامیة، لکن سیاستها طویلة المدى بالتأکید شیء آخر.

بمعنى آخر، النشاط الرئیسی للقوى الإقلیمیة للعب دور فی أزمة غزة لا یتم فی هذه الاجتماعات المشترکة، ولم تکن هذه المنظمة ومجموعة الدول الإسلامیة قط نقطة الدعم الرئیسیة والأخیرة لها؛ وتتم التحرکات الرئیسیة لهذه الدول من خلال اتفاقیات خلف الکوالیس ومشاورات سریة ثنائیة ومتعددة الأطراف؛  حیث لا یتواجد الإعلام والرأی العام العالمی ویمکن شراء وبیع أی شیء. وفی هذا الموقف یحاول رجال الدولة العرب ضمان استمرار العلاقة، وتنمیة الاستثمار، وبالطبع المصالحة السیاسیة مع النظام الصهیونی، على حساب الحصول على بعض التنازلات فی الحرب الحالیة.

وبناء على ذلک، فإن على الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، باعتبارها قوة إقلیمیة مؤثرة ومعارضة بالطبع لحلف إبراهیم، أن تسعى إلى ممارسة النفوذ والضغط على دول الخلیج العربیة من أجل المساعدة فی إنهاء حرب غزة وزیادة التکلفة التقاعس فی مواجهة جرائم النظام الصهیونی وتشجیع فارس على اللعب على الأرضیة المشترکة. وفی الوضع الحالی، فإن التحریض القوی للرأی العام العالمی ضد الأعمال المعادیة للإنسانیة التی یقوم بها النظام الصهیونی فی غزة قد خلق بیئة مناسبة لإیران للعمل فی هذا المجال، ونتیجة لذلک، ومن خلال الاستفادة من هذا الوضع وبالطبع استغلال إمکانات المصالحة السیاسیة مع المملکة العربیة السعودیة، ینبغی بذل الجهود لإجبار الدول المؤثرة فی المنطقة والعالم الإسلامی على اتخاذ إجراءات أکثر جدیة فی محور متوازی ومتوازی. بالتعاون مع جبهة المقاومة.

محمد مهدی مظاهری، أستاذ جامعی

  "إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است