تحلیل النهج الأفریقی تجاه حرب غزة

لقد مرت ۸۰ یوما على الاعتداءات والجرائم غیر المسبوقة التی ارتکبها النظام الصهیونی ضد المواطنین الفلسطینیین فی غزة، والتی أدانها الرأی العام والأمم بشدة. إلا أن مواقف معظم الدول الأفریقیة الداعمة لقضیة فلسطین وإدانة جرائم إسرائیل المستمرة، لم تکن على المستوى المتوقع مقارنة بمواقفها مقارنة بحربی ۱۹۶۷ و۱۹۷۳، اللذین وصلا إلى حد قطع العلاقات مع إسرائیل بشکل کامل.
14 جمادى الثانية 1445
رویت 532
محمد نیکخواه

 لقد مرت 80 یوما على الاعتداءات والجرائم غیر المسبوقة التی ارتکبها النظام الصهیونی ضد المواطنین الفلسطینیین فی غزة، والتی أدانها الرأی العام والأمم بشدة.  إلا أن مواقف معظم الدول الأفریقیة الداعمة لقضیة فلسطین وإدانة جرائم إسرائیل المستمرة، لم تکن على المستوى المتوقع مقارنة بمواقفها مقارنة بحربی 1967 و1973، اللذین وصلا إلى حد قطع العلاقات مع إسرائیل بشکل کامل.

العلاقات بین إسرائیل وإفریقیا تقلبت منذ البدایة بین شبهة النفوذ ومنطق القرب.  فی هذه الأثناء، ظلت القضیة الفلسطینیة لسنوات هی المتغیر الأهم فی هذه العلاقات.  عندما صوتت الأمم المتحدة لصالح تقسیم فلسطین فی 29 نوفمبر 1947، کانت القارة الأفریقیة لا تزال تحت الحکم الاستعماری، إلا أن القلیل من الدول الأفریقیة فی ذلک الوقت لم تصوت بنفس الطریقة لصالح هذا القرار.

بعد الحروب العربیة الإسرائیلیة الأولى عامی 1948، 1949 وانتهاک الهدنة بین إسرائیل وجیرانها العرب، لم تسمح دول عدم الانحیاز لإسرائیل بحضور قمة باندونغ بتصویت مهم من الدول الأفریقیة. لکن إسرائیل، التی لم تأخذ فی الاعتبار مصالحها الاستراتیجیة فی أفریقیا فی المقام الأول، افتتحت أول قنصلیة عامة لها عام 1956 فی هذا البلد الأفریقی بسبب أهمیة باب المندب والبحر الأحمر وتاریخ تواجد الیهود فی إثیوبیا.  ولاحقا، ومع رحلة غولدا ویر إلى الدول الإفریقیة، انفتحت العلاقات مع العدید من الدول الإفریقیة المستقلة حدیثا، وقامت هی، التی أصبحت فیما بعد رئیسة للوزراء، بتطویر هذه العلاقات سریعا من خلال طرح فکرة حاجة إسرائیل الملحة إلى الأصوات الإفریقیة.

ولکن مع وقوع حربی 1967 و1973، سرعان ما توترت هذه العلاقات الولیدة، وسرعان ما قامت معظم الدول الإفریقیة، باستثناء نظام الفصل العنصری فی جنوب إفریقیا و4 دول إفریقیة صغیرة أخرى، بقطع علاقاتها مع إسرائیل، ولاحقًا وحتى إقامة کامب دیفید عام 1978، ولم یتمکن انسحاب إسرائیل من صحراء سیناء من تحسین هذه العلاقات کما کان من الممکن أن یحدث.

 ولکن فی وقت لاحق، حدث حدثان متعارضان تماما أثرا على العلاقات بین أفریقیا وإسرائیل.  أحدهما هو توقیع اتفاقیات أوسلو للسلام عام 1991، والتی أدت تدریجیاً إلى اعتراف الحکومات الأفریقیة بإسرائیل، والآخر هو نهایة الفصل العنصری فی جنوب أفریقیا، وهو ما یعد، بالنظر إلى الدور المهم والمؤثر لجنوب أفریقیا فی القارة السوداء، لقد أبقت هذه الحرکة، بشکل أو بآخر، خط المعارضة لإسرائیل على قید الحیاة، کما أبقت القضیة الفلسطینیة حیة بین عدد من الدول الأفریقیة. وهکذا، فی عام 2001، خلال مؤتمر دیربان، أدانت الدول الأفریقیة مع الدول العربیة سیاسة إسرائیل فی الأراضی المحتلة، وفی عام 2009، أدان الأفارقة إسرائیل باعتبارها جریمة حرب فی العملیة الرائدة فی غزة، وفی عام 2011، معظم الدول الأفارقة صوتوا لصالح عضویة فلسطین فی الیونسکو. لکن على أیة حال، فإن التوترات الناجمة عن الأراضی المحتلة لم تمنع التطبیع التدریجی للعلاقات بین الدول الأفریقیة وإسرائیل، وخاصة أن الإسرائیلیین بدأوا جولة جدیدة من العلاقات مع أفریقیا منذ عام 2016، وفی نفس الوقت الذی وصل فیه ترامب إلى السلطة والهمسات عن اتفاق إبراهیم. بحیث کانت إسرائیل قبل عملیة اقتحام الأقصى قد أوصلت إقامة وتطبیع العلاقات مع الدول الأفریقیة إلى أعلى مستوى منذ قیام هذا النظام، ولولا استقرار حکومات جنوب أفریقیا والجزائر، کانت إسرائیل ستصبح حتى عضوا مراقبا فی الاتحاد الأفریقی عن طریق التخطیط.پس از عملیات طوفان الاقصی و  متعاقب آن حملات و بمباران شدید غزه توسط اسرائیل، ابتدا رئیس کمیسیون این اتحادیه در بیانه ای خواستار به رسمیت شناختن حق حاکمیت فلسطین شد و از هر دو طرف خواست بدون قید و شرط به مذاکره در خصوص راه حل دو دولتی بپردازند.

لکن بعد قصف مستشفى الممدانی أصدرت هذه النقابة بیانا أدان فیه الکیان الصهیونی واعتبرت هذا العمل مثالا لجریمة حرب، کما دعت فی بیان مشترک مع الجامعة العربیة إلى وقف الأعمال العدائیة ووقف إطلاق النار و تقدیم المساعدات الإنسانیة للفلسطینیین.

وتأخرت عدد من الدول الأفریقیة، بما فی ذلک زیمبابوی ونامیبیا وإثیوبیا ونیجیریا وأنغولا والنیجر وبوتسوانا وغامبیا وغینیا بیساو، فی بعض الأحیان، وبعد الهجوم على مستشفى المحمدانی، أدانت الهجمات ودعت إلى وقف إطلاق النار، أو حتى من دون إدانة أی طرف من أطراف الصراع، وانقسم ضبط النفس إلى طرفین، وما زال بعضهم مثل ساحل العاج والجابون وموزمبیق وسیرالیون لم یتخذوا أی موقف رسمی‌بعد مرور 80 یوما.

ومن ناحیة أخرى، فإن عدداً من الدول الأفریقیة، مثل الرأس الأخضر (الرأس الأخضر)، والکامیرون، ورواندا، وسیشیل، وجنوب السودان، تعاطفت علناً مع إسرائیل وأدانت هجمات حماس.

ومنذ بدایة حرب غزة، اتخذت جنوب أفریقیا مواقف قویة تمثلت فی عدة بیانات تدین هجمات النظام الصهیونی، وتقدمت مع الجزائر و3 دول غیر إفریقیة بشکوى ضد إسرائیل إلى المحکمة الدولیة.  وفی آخر إجراء لبرلمان هذا البلد، تم تعلیق العلاقات مع إسرائیل، واستولى البرلمان الجزائری، الذی سمح لرئیسه بقرار تاریخی بخوض الحرب مع إسرائیل، على سفینة ألمانیة تحمل أسلحة وذخائر لإسرائیل وبطبیعة الحال، أظهرت الأحداث اللاحقة أن هذین البلدین لیسا على استعداد لدفع المزید من التکالیف فی هذا الصدد.

 ورغم أن أغلبیة الدول الإفریقیة فی مواقفها الأخیرة، والتی کانت حذرة بشکل عام وأعلنت متأخرة؛  نسبیا، أدانوا الهجمات العنیفة للنظام الصهیونی ولم تصوت أی دولة أفریقیة، حتى جنوب السودان، ضد القرار الذی یطالب بوقف فوری لإطلاق النار فی غزة، ولکن من حیث العمل والمواجهة، لم تتخذ أی دولة تقریبا أی إجراء مکلف، باستثناء جنوب أفریقیا والجزائر. ولکن یمکن القول بسهولة إن الصراع بین حماس والکیان الصهیونی قد قسم المجتمع الدولی إلى معسکرات وتحالفات مختلفة، کما قسم مواقف الدول الأفریقیة إلى ثلاث فئات على الأقل مؤیدو إسرائیل ومؤیدو فلسطین وحماس ومحایدون

لماذا، على الرغم من جرائم إسرائیل غیر المسبوقة فی غزة، خلافا لما حدث فی الماضی، لم یظهر الأفارقة رد فعل قویا على هذه الجرائم؛ هناک أسباب مختلفة یمکن أن تساعد فی فهم سلوک هذه الحکومات.

الأسباب الرئیسیة هی:

  • نهایة الحرب الباردة وما نتج عنها من تراجع تدریجی للحکومات الیساریة والأنظمة الشیوعیة وجبهات التحریر وتغیر جیل القادة وتراجع القادة الأفارقة الکاریزماتیین وتلاشی المناخ الثوری ما بعد الاستعماری
  • التغیرات بین الأجیال والقضایا الإدراکیة والمعرفیة المرتبطة بها، خاصة مع وجود نسبة عالیة جدًا وسریعة النمو من الشباب فی أفریقیا
  • معاهدة أوسلو للسلام وتمدید خط التسویة، وأنه بعد هذه الاتفاقیة تم النظر فی منظمات الحکم الذاتی التابعة للحکومة ومقرها فی فلسطین، ولم یعد مصیر الأراضی المحتلة یدرس من منظور الحریة الوطنیة.
  • سقوط معمر القذافی عام 2011، کشخص کان له قوة نسبیة فی تقریب مواقف الأفارقة ضد الغرب وإسرائیل.
  • تنوع الشرکاء واللاعبین على الساحة الأفریقیة فی العقدین الأخیرین ودخول لاعبین جدد مثل الصین وترکیا والمملکة العربیة السعودیة والإمارات العربیة المتحدة وقطر إلى أفریقیا، والتی کانت أولویتها الرئیسیة هی المنافسة الاقتصادیة الشدیدة، وبالنسبة لأغلبهم، کانت قضیة فلسطین إما غیر مهمة، أو مثل السعودیة والإمارات، نظروا إلیها من زاویة التسویة، وفرضوا هذه الآراء تدریجیا على أفریقیا وخلقوا فجوة بین الجبهة الأفریقیة.
  • انتشار العنف من الشرق الأوسط إلى أفریقیا وتصاعد الإرهاب فی العقدین الأخیرین فی أفریقیا، وهو ما حول إسرائیل تدریجیاً إلى سلطة فی مجال الشؤون الأمنیة للحکومات الأفریقیة. مثل العمل الفعال الذی قامت به إسرائیل خلال الهجوم الإرهابی على مرکز ویستجیت للتسوق فی نیروبی، حیث استخدمت الحکومة الکینیة الدعم القوی من أجهزة المخابرات الإسرائیلیة للتعویض عن دعمها لإسرائیل فی وضع الرهائن فی مطار عنتیبی، وهذا النوع من التعاون وقد عادت من جدید مناطق کثیرة من أفریقیا لتصبح میدان عملیات وبیع الأسلحة الإسرائیلیة.
  • بیع إسرائیل للأسلحة، بما فی ذلک طائرات استطلاع وقتالیة بدون طیار ومعدات مراقبة وزوارق سریعة، إلى جانب التدخلات الأمنیة والتدریب وتشکیل فرق ضاربة ومشاورات خاصة فی قضایا أمنیة مهمة، لقد تسبب فی ربط أمن واستمرار حکم العدید من القادة المهتزین والأفراد والجماعات الأفریقیة ذات النفوذ بالعلاقات مع إسرائیل.
  • بالإضافة إلى اختراق إسرائیل للثغرات الأمنیة القائمة، وهی خبرتها الطویلة، یقوم الإسرائیلیون فی الوقت نفسه بتنفیذ نطاق واسع من التعاون من أنشطة واستثمارات فی التعدین والزراعة واقتصادیات البیئة والمیاه وفقا لاحتیاجات أفریقیا وخططها الطموحة، وقد وضعت على جدول الأعمال لجعل الأطراف الأخرى تعتمد علیها قدر الإمکان. ومن أهم هذه التعاونات بدعم من الهند والإمارات العربیة المتحدة هو برنامج الشرق الأوسط الرباعی، الذی یرکز على التقنیات الجدیدة، خاصة فی القطاع الزراعی فی الأراضی الخصبة فی أفریقیا، ویسعى إلى تحقیق الهدف الطموح المتمثل فی الهیمنة بلا منازع على الموارد الغذائیة فی العالم. وأخیرا، فإن تجارة واقتصاد القارة الأفریقیة فی منطقة الشرق الأوسط تتأثر بشکل کبیر بالأزمات التی تشهدها هذه المنطقة.  117 ملیار دولار تجارة، ونحو 10% من إجمالی تجارة أفریقیا مع الشرق الأوسط. ویمکن أن یکون لاستمرار الصراعات تأثیر مباشر على العرض والطلب على هذه المنتجات وزیادة تکالیف النقل وأسعارها النهائیة، خاصة من قناة السویس وباب المندب والبحر الأحمر. وحتى الآن، وبسبب تهدید الحوثیین للسفن المرتبطة بإسرائیل، وصلت نسبة التأمین على السفن إلى 7 بالمئة، وهو أمر غیر مسبوق فی العقود الأخیرة، حتى مقارنة بحرب ناقلات النفط خلال الحرب الإیرانیة العراقیة. تأثیر الصراعات على تقلبات أسعار الطاقة والاضطراب الذی ستحدثه فی سوق الإنتاج والعرض بالنسبة للمستهلکین الأفارقة (مع زیادة أسعار ناقلات الطاقة وعواقبها الاقتصادیة والاجتماعیة السلبیة) ولمنتجی النفط والغاز الأفارقة ( مع تعطلها ستکون مشکلة فی سلاسل البیع وانخفاض الطلب وخسارة جزء من العملاء.

ولذلک فإن الصراع بین حماس وإسرائیل لیس قضیة إقلیمیة فحسب، بل هو أیضا قضیة عالمیة تمس مصالح وقیم العدید من الدول والشعوب والحکومات، والقارة الأفریقیة لیست استثناء.

 محمد نیکخواه، خبیر أول فی الدراسات الأفریقیة

 "إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است