عشر أزمات ملحة في النظام الدولي وخمسة سيناريوهات للمستقبل القريب

بمناسبة انعقاد الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تتجه الأنظار مرة أخرى إلى نيويورك؛ حيث يجتمع ممثلو الدول في مناخ مشحون بالخلافات الجيوسياسية والأزمات المتفاقمة. تستعرض هذه المقالة هذه الأزمات وترسم خمسة سيناريوهات محتملة للمستقبل القريب؛ مستقبل يتطلب، أكثر من أي وقت مضى، تفكيراً جماعياً واتخاذ قرارات مشتركة.
1 ربيع الثاني 1447
سید محمد حسینی

بمناسبة انعقاد الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تتجه الأنظار مرة أخرى إلى نيويورك؛ حيث يجتمع ممثلو الدول في مناخ مشحون بالخلافات الجيوسياسية والأزمات المتفاقمة. تستعرض هذه المقالة هذه الأزمات وترسم خمسة سيناريوهات محتملة للمستقبل القريب؛ مستقبل يتطلب، أكثر من أي وقت مضى، تفكيراً جماعياً واتخاذ قرارات مشتركة.


ألف: الأزمات
١- أفول المؤسسات والمنظمات الدولية وقصورها وخللها الوظيفي: أظهر عجز الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها، وخاصة مجلس الأمن، في السنوات الأخيرة عن التعامل العادل وحل الأزمات السياسية والأمنية المختلفة، أن المؤسسات الدولية للنظام العالمي تشهد مساراً من التراجع وعدم الفعالية. إن المنظمات والمؤسسات والأنظمة الحالية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية هي إلى حد كبير نتاج النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية على يد القوى العظمى في ذلك الوقت. واليوم، لم تتطور هذه المؤسسات والأنظمة لمواجهة التهديدات الجديدة مثل انتشار القوة، وتكاثر الفواعل من غير الدول، والتهديدات في الفضاء السيبراني، والتشكيل الجديد للقوة، والحروب الهجينة، إلخ.


وقد أدى هذا المسار إلى زيادة التوترات والميل الأكبر للجوء إلى العمل العسكري لتسوية النزاعات. تتطلب التطورات الجديدة في تقنيات الحرب وضع قوانين جديدة أو تفسير محدّث للقوانين الحالية. على سبيل المثال، أصبح استخدام الدول المتمتعة بالذكاء الاصطناعي في الحرب مصدراً لتهديدات جديدة، ولم تتطور القوانين والإجراءات الكافية لضبط سلوك هذه الأعمال من قبل الدول. الحقيقة هي أن المؤسسات والأنظمة الدولية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية لم تواكب التغيرات والتحولات الواسعة جداً التي حدثت في البيئة الداخلية والخارجية للدول، وزيادة عدد الفواعل، والأهم من ذلك، التقدم الهائل في مجالات التكنولوجيا. هذا التفاوت بين القوانين والتطورات سيصبح أكثر وضوحاً في السنوات والعقود القادمة، وسيواجه العالم المزيد من التهديدات.


٢- التهديدات الأمنية الناشئة: في العالم الذي نعيش فيه، تتغير طبيعة التهديدات باستمرار. بشكل خاص، أثرت التوجهات العالمية الكبرى مثل ظهور "الأفراد الفاعلين" على المستوى العالمي، والتمكين التكنولوجي، وضغط ونقص الموارد، والتغيرات والتهديدات البيئية المشتركة على طبيعة التهديدات الأمنية، وبالتالي تتطلب استجابات ذكية وجديدة من جانب الدول. في الوقت نفسه، يتزايد العنف المسلح في العالم. تقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن ما يقرب من ٧٤٠ ألف شخص يموتون سنوياً نتيجة للعنف المسلح، وأكثر من ٦٦٪ من هذه الوفيات تحدث في مجتمعات لا تتأثر بالحروب.


٣- تصاعد الحروب الهجينة: تُظهر التوجهات والأحداث الحالية أن الفواعل في ساحة النظام الدولي يتجهون بأقصى سرعة نحو هذا النوع من الحروب بسبب الميزة الهائلة للحروب الهجينة. في السنوات الأخيرة، اكتسب هذا النوع من الحرب قيمة وأهمية كبيرة حيث تستخدم الدول والفواعل من غير الدول وتكنولوجيا المعلومات للسيطرة على أعدائهم أثناء، أو الأهم من ذلك، في غياب صراع مسلح مباشر. تتطلب الحرب الهجينة تداخلاً أو مزيجاً من أدوات القوة التقليدية وغير التقليدية وأدوات التخريب تحت عتبة الحرب المسلحة. يتم دمج هذه الأدوات بطريقة منسقة لإلحاق أكبر قدر من الضرر بالعدو. أحد المخاطر الكبيرة لاستخدام الحرب الهجينة هو طمس الحدود بين الحرب والسلام. هذا يعني أنه من الصعب تمييز عتبة الحرب. الحرب الهجينة أسهل وأرخص وأقل خطورة من العمليات المسلحة المباشرة والعلنية، ولهذا السبب أصبحت جذابة. تعد الحرب الهجينة من أهم تهديدات الحاضر والمستقبل القريب للأمم.


٤- الذكاء الاصطناعي؛ التكنولوجيا في خدمة الحرب والعنف: الذكاء الاصطناعي قادم بقوة متزايدة يمكن أن تخل بالتوازنات العسكرية الحالية. تتمتع الأدوات والأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي بخصائص معينة، وهذه الخصائص تجعل الدول المالكة لهذه التقنيات قادرة على المنافسة بشكل أكبر من خلال الاستفادة منها، ويمكنها الإخلال بتوازن القوى في النظام الدولي لصالحها. سيخل الذكاء الاصطناعي بالتوازن العسكري من خلال تقويض قاعدة الردع العسكري. حالياً، يقوم الردع العسكري على أساس أن متلقي "الضربة الأولى" يمتلك "الضربة الثانية" (Second Strike) ولا يتم تدميره في الضربة الأولى ولديه القدرة على الرد. يثير التقدم التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، القلق من أنه في السنوات القادمة قد تواجه هذه الضربة الثانية تحدياً، وأن استراتيجية الردع ستواجه في الواقع تحدياً كبيراً.


٥- استخدام العقوبات كأداة ضغط سياسية وأمنية: يمكن أيضاً اعتبار قضية العقوبات، نظراً لأهميتها كتوجه عالمي تمارسه القوى الكبرى ضد بعضها البعض وضد الفواعل الآخرين، كتهديد أمني جديد للأمم. إذا قامت الاقتصادات الكبرى الأخرى في العالم، رداً على الاستخدام المفرط للعقوبات الاقتصادية من قبل أمريكا، بتطوير أدوات بديلة للمدفوعات الدولية، وإذا أصبح التنسيق بين حلفاء أمريكا أكثر صعوبة، وإذا فتحت القوى الاقتصادية الناشئة قطاعها المالي أكثر مما هو عليه اليوم، فإن قوة الولايات المتحدة في استخدام أدواتها القسرية المفضلة، أي العقوبات الاقتصادية، قد تتضاءل. لسوء الحظ، لم تتضاءل قوة أنظمة العقوبات بعد، وتظهر كل يوم في أشكال وأساليب جديدة. وقد أظهر "دانييل ديبتريس"، المحلل في "نيويورك تايمز"، في تقرير بهذا الصدد أن لجوء الحكومة الأمريكية إلى العقوبات قد زاد بنسبة 933٪ خلال العقدين الماضيين. كتب "ديبتريس": "تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية العقوبات الاقتصادية الأداة الرئيسية للسياسة الخارجية".


٦- تصاعد عدم الاستقرار والحرب في المناطق الاستراتيجية بالعالم: أدى تنافس القوى العظمى من جهة، والديناميكيات الإقليمية من جهة أخرى، إلى تفاقم انعدام الأمن العالمي والإقليمي. اشتد تنافس القوى العظمى خلال العقود القليلة الماضية في المناطق العازلة مثل أوروبا الشرقية وشرق آسيا، وأدى إلى مزيد من عدم الاستقرار. الشرق الأوسط وجنوب آسيا هما منطقتان شهدتا عدم استقرار أوسع في السنوات الأخيرة، وحروب ما بعد ٧ أكتوبر خير دليل على ذلك. لعبت زيادة عدد الدول الضعيفة والمنهارة أو الفاشلة دوراً مهماً جداً في خلق فراغات في السلطة وتهافت القوى الإقليمية للسيطرة عليها.


٧- زيادة الاستثمارات العسكرية للقوى الكبرى والناشئة: تُظهر دراسة ومقارنة النفقات العسكرية للدول خلال العقد الأخير أن النفقات الدفاعية آخذة في الازدياد على مستوى العالم. سجل "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)" زيادة في الميزانيات العسكرية لدول العالم منذ بداية عام ٢٠٢٠ حتى الآن، مقارنة بالسنوات الأولى للألفية الثالثة، بشكل متزايد وغير مسبوق، لتصل إلى رقم قياسي قدره ٢.٥ تريليون دولار.


٨- إضعاف احتكار الدولة لاستخدام العنف: أصبح بإمكان الفواعل من غير الدول، بفضل التحولات في التكنولوجيا العسكرية والاتصالات، زعزعة استقرار الحكومات بسهولة أكبر. كما ذكرنا سابقاً، تمنح التقنيات الجديدة إمكانيات لفواعل النظام الدولي (أفراد، جماعات) لفرض أكبر حجم من العنف بأعلى مستوى من التأثير والأضرار على الدول، باعتبارها الفواعل الرئيسية في ساحة النظام الدولي. تُظهر التحولات والأحداث الحالية في النظام الدولي أن هذا الاتجاه سيتكثف بشدة في العقود القادمة.


٩- التفكيك المعياري لحقوق الإنسان في سياق خطاب "السلام من خلال القوة": إحدى الأزمات الكبرى شديدة الخطورة على البشرية؛ هي تفكيك المعايير المقبولة بين الأمم، والتي تتحول، في مسار عكسي، إلى نقيضها. في السنوات الأخيرة، وفي سياق خطاب "السلام من خلال القوة"، لا يتم انتهاك أبسط المعايير البشرية فحسب، بل تتحول السلوكيات المناهضة لحقوق الإنسان إلى أعراف مقبولة. إن تبرير الجرائم، أو حتى الصمت، تجاه المذابح والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها أمريكا وإسرائيل في غزة ولبنان وسوريا واليمن، والعدوان السافر على دولة إيران في حرب الـ 12 يوماً، هو مثال على هذا المسار الخطير الذي، مع تقاعس المؤسسات الدولية، وتأييد الدول الغربية مدعية حقوق الإنسان، وصمت الحكومات المحافظة؛ يبشر بمستقبل شديد الخطورة للبشرية.


١٠- التهديدات البيئية المشتركة: تشمل التهديدات البيئية المشتركة على المستوى العالمي والإقليمي ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر، والجفاف، وتقلبات هطول الأمطار، ونقص الغذاء، وانتشار الأوبئة، وشيخوخة السكان، والهجرات الواسعة، ونمو التحضر، والتوزيع غير المتناسب للتقنيات الخضراء في العالم، إلخ.

نتيجة للتوجهات المذكورة أعلاه، سيندفع العالم خلال السنوات القادمة نحو السيناريوهات الخطيرة التالية:
١- تنافس القوى الكبرى والناشئة للحصول على موقع ملائم في النظام الدولي المستقبلي. ستشتد محاولات النفوذ والتدخل في المناطق.
٢- سيشهد العالم زيادة في دور الحروب الهجينة مع عواقب وخيمة جداً على الأمم الأقل حظاً من الناحية التكنولوجية.
٣- سيشهد العالم زيادة في عدم الاستقرار السياسي والأمني من جهة، وكذلك زيادة في عدد الدول الفاشلة والضعيفة في مناطق مختلفة من العالم من جهة أخرى.
٤- التهديدات البيئية المشتركة على المستوى العالمي والإقليمي، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر، والجفاف، وتقلبات هطول الأمطار، ونقص الغذاء، وانتشار الأوبئة، وشيخوخة السكان، والهجرة، ونمو التحضر، والتوزيع غير المتناسب للتقنيات الخضراء، ستواجه العالم بتهديدات ناشئة.
٥- إلى جانب اتجاه تراجع معايير حقوق الإنسان، يتمثل السيناريو المشرق وسط هذا الظلام في أن: العالم سيشهد خلال السنوات القادمة تعزيزاً أكبر لدور المجتمعات المدنية، والرأي العام الدولي، ووسائل الإعلام كأدوات ردع للنزعة العسكرية.

سيد محمد حسيني، خبير أول في مركز الدراسات السياسية والدولية
(مسؤولية محتوى المواد تقع على عاتق المؤلفين ولا تعبر عن آراء مركز الدراسات السياسية والدولية)

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است