قرع طبول الحرب الخطير بين روسيا وأوروبا: من اليأس من السلام إلى الحرب الشاملة

مع مرور أربع سنوات على الصراع الأوكراني المعقد، اشتدت التحركات في جغرافية النزاع وفي المجال الناعم ومجال صناعة الروايات. وقد تمكن الرئيس بوتين، بحنكة وإدارة خاصة وسلطوية، من تحقيق الأهداف المرسومة بالنجاح الكامل في مواجهة عدة تحديات أساسية خلال هذه السنوات، بما في ذلك إدارة الاقتصاد، وتمرد بريغوجين، وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي المتمحور حول الحرب.
23 ربيع الثاني 1447
علی‏ بمان اقبالی زارتش

مع مرور أربع سنوات على الصراع الأوكراني المعقد، اشتدت التحركات في جغرافية النزاع وفي المجال الناعم ومجال صناعة الروايات. وقد تمكن الرئيس بوتين، بحنكة وإدارة خاصة وسلطوية، من تحقيق الأهداف المرسومة بالنجاح الكامل في مواجهة عدة تحديات أساسية خلال هذه السنوات، بما في ذلك إدارة الاقتصاد، وتمرد بريغوجين، وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي المتمحور حول الحرب.


ولضمان استمراره في قيادة روسيا، حصل بوتين على ضمانات من الرأي العام في بلاده لخوض اختبار قوة مع الكيان الأوروأطلسي بأكمله حتى عام 2030. ومن ناحية، حقق جيش بلاده نجاحات في احتلال عدة مدن وقرى، ومن ناحية أخرى، نجحت أوكرانيا في عدة عمليات بحرية وجوية وباستخدام الطائرات بدون طيار في تدمير عدة مستودعات للوقود ومجمعات بتروكيماوية وإسقاط عدة مقاتلات روسية فائقة التطور.


بالطبع، تستمر الحرب الناعمة بين الطرفين بأساليب إعلامية مختلفة والاستفادة من الاجتماعات الإقليمية والدولية. وعلى الرغم من أن مصير الحرب لن يُحسم في نهاية المطاف في الجبهة، إلا أن هناك حالياً ثلاثة احتمالات مطروحة، وكل واحد منها يحمل طيفاً من التبعات المحتملة: الأول، تقدم القوات الروسية؛ الثاني، نجاح القوات الأوكرانية؛ والثالث، نوع من الجمود على طول الخطوط العسكرية الحالية.


في الوقت الذي اشتدت فيه التهديدات من محور الناتو والغرب ضد روسيا ووصلت إلى مستوى غير مسبوق، أعلن السيد بوتين في منتدى سوتشي السنوي عن استمرار استعداد وإرادة بلاده لمواجهة الجيش الأوكراني، الذي يحظى بدعم غربي كامل، وحذر قادة الغرب من أن روسيا "لن تكون الطرف الخاسر أبداً" في هذه الحرب. القضية المهمة هي أن جميع الحروب تبدأ بتفاؤل مفرط، ولكن مع تحول الصراعات إلى حروب استنزاف، تختار الأطراف عادةً "الأسوأ" بين السيئ والأسوأ، لأن القرار الرئيسي في هذه المراحل يصبح بيد العسكريين، الذين يتصورون أساساً أن نهاية أي حرب تكمن فقط في انتصارهم.


في الوقت الحالي، مع زيادة عدد القوات الروسية بنحو الضعف تقريباً، والتحصين في خطوط أمامية أقصر بدعم مدفعي واسع، ستكون هزيمة الجيش الأوكراني تحدياً كبيراً. ومع ذلك، فقد فاجأ الأوكرانيون العالم كثيراً منذ بدء الغزو الروسي لدرجة أنه لا يمكن اعتبارهم مهزومين بسهولة. لذا، يبدو أن هذه الحرب المدمرة للطرفين ستنتهي في نهاية المطاف بنوع من التسوية رفيعة المستوى، والأرجح أن تكون بين الكرملين والبيت الأبيض، مع التضحية ببعض الأطراف الثالثة.


في غضون ذلك، في موسكو، وقع فلاديمير بوتين على ميزانية السنوات القادمة، والتي تتضمن أكبر زيادة مسجلة في الإنفاق العسكري، حيث ارتفعت نفقات الدفاع في عام 2024 بنسبة تزيد عن 70٪ مقارنة بعام 2023، لتشكل 40٪ من إجمالي الميزانية، وهو ما يمثل 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي. بالطبع، قد تبدو ميزانية الدفاع غير واقعية بالنظر إلى أنه من المتوقع أن تكون الإيرادات أعلى بنسبة 22.5٪ من هذا العام، وهو أمر ممكن فقط في حال ارتفاع أسعار النفط. من ناحية أخرى، هذه هي الأرقام المعلنة فقط في الميزانية. في الواقع، تحتوي الميزانية الروسية على قسم سري مخصص للدفاع أيضاً، ولكنه لا يظهر في أي مكان لأسباب تتعلق بالحرب، وتشير تقديرات خبراء الدفاع إلى أن تكلفة الجيش الروسي اليومية تبلغ مليار دولار.


بالطبع، تمكن بوتين من خفض النفقات الاجتماعية لأنه مقتنع بأن الأغلبية الساحقة من الروس يريدون التضحية من أجل هذا البلد. لذلك، من البديهي أنه إذا لم تصل المساعدات المالية والعسكرية إلى أوكرانيا أو وصلت متأخرة جداً، وكان لدى الروس مبالغ ضخمة إضافية لتعبئة جنود جدد وتجهيز الجيش، فلن تكون هناك سوى نتيجة واحدة ممكنة: أن تخسر أوكرانيا الحرب وتصل روسيا إلى حدود الناتو. وكما أعلن خبير في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، فإن موسكو "تستعد للانتصار في حرب أوكرانيا ولحرب دائمة مع الغرب".


لا يخفى على أحد أن وقف إطلاق نار دائم هو وحده الذي يمكن أن ينهي الكارثة الإنسانية التي خلفت أكثر من مليون قتيل وجريح من الطرفين، وتدمير البنى التحتية للجانبين بخسائر تزيد عن تريليون دولار، وأن يسمح لكييف وشركائها ببدء العملية الطويلة والمكلفة جداً لإعادة إعمار الاقتصاد الأوكراني، لتعزيز آمال كييف في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وهو موضوع قد يكون جذاباً لبعض الأوكرانيين البراغماتيين أيضاً، لأنهم يعتقدون أن وقف إطلاق النار والنمو الاقتصادي سيسمحان لأوكرانيا بتعزيز قواتها المسلحة.


الحقيقة الأكثر مرارة هي أن اقتصادَي أوكرانيا وروسيا كليهما قد تحملا الضرر والخسارة الأكبر من جراء هذه الحرب المدمرة. لقد تقلص حجم الاقتصاد الأوكراني إلى الثلث، كما شهد الاقتصاد الروسي انخفاضاً بنسبة 10٪ على الأقل. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من وجود أكثر من 20 ألف عقوبة دولية، تعاني روسيا من أضرار جسيمة في قطاعات التكنولوجيا الحديثة والمؤشرات الاقتصادية الرئيسية، بحيث أصبحت البلاد خارج النظام المالي الدولي، وخاضعة لحظر تصدير السلع ذات المنشأ الأمريكي والأوروبي، من التكنولوجيا المتقدمة إلى قطع غيار الطائرات، ودخلت في دوامة من الركود. كما أن العقوبات والجزاءات الجديدة التي أقرها البرلمان الأوروبي، والتي تطالب بفرض حظر كامل وفوري على واردات النفط والغاز الطبيعي الروسي، بالإضافة إلى توسيع كبير لقائمة العقوبات، ستجعل الظروف أصعب على موسكو على المدى الطويل.


مع طول أمد الحرب وتحولها إلى حرب استنزاف، شهد إرسال المساعدات الغربية أيضاً تقلبات. وعلى الرغم من أن المحور الأوروأطلسي يقدم في المراحل الجديدة أسلحة أحدث، بما في ذلك مقاتلات "إف-16" وصواريخ بعيدة المدى، إلا أنه مع وجود ترامب في البيت الأبيض، فإن تنفيذ المساعدة الأمريكية البالغة 60 مليار دولار ليس واضحاً. لكن الاتحاد الأوروبي يتابع بصعوبة تفعيل المساعدة البالغة 50 مليار دولار على مدى 4 سنوات، وتواصل اليابان تقديم مساعدات بقيمة 4.7 مليار دولار لكييف.


مع كل هذا، يعتقد بعض المحللين أن هذه الحملة تقترب من مراحل حساسة وأن كلا الطرفين لا يمتلك فرصاً كبيرة للفوز. وأي محاولة لوقف إطلاق النار ستواجه مقاومة شديدة من الكرملين والحكومة الأوكرانية، وبعض أعضاء الناتو بما في ذلك بولندا ودول البلطيق، وأجزاء مهمة من المؤسسة السياسية والإعلامية الغربية.


لذلك، لا يمكن في الوقت الحاضر التنبؤ بنتيجة مثل هذه الأزمة؛ ولكن بالنظر إلى مسار التطورات في الأشهر القليلة الماضية والتغيير في نهج ترامب في مساعدة الجيش الأوكراني، يمكن القول بوضوح أن خطر تصعيد حرب شاملة بين الناتو وروسيا سيكون كبيراً. والسؤال المهم هو: هل التهديدات العلنية الروسية على لسان مدفيديف بشأن إمكانية استخدام الأسلحة النووية ضد الدول الأوروبية، وإجراء الرئيس بوتين باختبار قاذفات القنابل النووية في تتارستان، وفي النهاية، في الجبهة المقابلة، الهجوم الجوي على الأراضي الروسية بالصواريخ بعيدة المدى ومقاتلات "إف-16"، سيتم تفعيلها أم لا؟!


الدكتور علي بمان إقبالي زارتش - خبير أول في الشؤون الأوراسية
(مسؤولية محتوى المواد تقع على عاتق المؤلفين ولا تعبر عن آراء مركز الدراسات السياسية والدولية)

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است