ضرورة الترحيب بالاتفاقيات الإقليمية المعززة للاستقرار: حالة الاتفاق السعودي الباكستاني

بالنظر إلى الظروف الدولية، والأوضاع الإقليمية، والأزمات الأمنية والاقتصادية الضاغطة والمتزايدة التي تواجه إيران، وكذلك من منظور السياسة الخارجية السعودية؛ فإن فوائد الاتفاق الأمني الباكستاني السعودي تفوق مضاره بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فلماذا؟
26 ربيع الثاني 1447
سید محمد حسینی

بالنظر إلى الظروف الدولية، والأوضاع الإقليمية، والأزمات الأمنية والاقتصادية الضاغطة والمتزايدة التي تواجه إيران، وكذلك من منظور السياسة الخارجية السعودية؛ فإن فوائد الاتفاق الأمني الباكستاني السعودي تفوق مضاره بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فلماذا؟


1. من منظور السياسة الدولية: يُعد الاستقرار في الشرق الأوسط مطلباً مباشراً للولايات المتحدة، وروسيا، وأوروبا، والصين. لقد أكد جميع الاستراتيجيين الأمريكيين في السنوات الأخيرة على ضرورة أن تركز أمريكا اهتمامها الرئيسي على مواجهة الصين وروسيا وأوروبا، مما يستدعي تقليل انخراطها (أو "تقليل انشغالها") في الشرق الأوسط، والدخول في منافسة مع الصين وروسيا انطلاقاً من شرق أوسط مستقر. إن تأكيد ترامب الدائم بأنه "بمهاجمة إيران، نجحنا في ضمان استقرار الشرق الأوسط" يندرج في هذا السياق، بمعنى "أنا، رئيس أمريكا، أعمل على إرساء الاستقرار في الشرق الأوسط تمهيداً لنقل أمريكا إلى مهمتها الأساسية". بناءً على ذلك، سيحظى الاتفاق الأمني الباكستاني السعودي بالدعم من القوى الكبرى شرقاً وغرباً، نظراً لما يجلبه من استقرار.


2. من منظور السياسة الإقليمية: يُعد هذا الاتفاق أيضاً عاملاً معززاً للاستقرار. يكاد يكون هناك إجماع نخبوي على أن توازن القوى في الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر قد تغير لصالح إسرائيل وعلى حساب إيران والسعودية وتركيا. والآن، أصبحت تركيا والسعودية متخوفتين أيضاً من الهيمنة الإسرائيلية (أو "النزعة التوسعية الإسرائيلية"). وعليه، فإن الاتفاق الأمني الباكستاني السعودي يمكن أن يساهم، إلى حد ما، في تعديل توازن القوى ضد إسرائيل.


3. كلما زادت الاتفاقيات الأمنية بين دول المنطقة، قلّ اعتمادها الأمني على القوى الخارجية المتدخلة وتعزز نظام "الإقليمية النابعة من الداخل" (Endogenous Regionalism). يمكن أن يشكل هذا الاتفاق النواة المركزية لتشكيل "ناتو شرق أوسطي" في المستقبل.


4. إن تفعيل دور باكستان في الشرق الأوسط يعزز من أدوات المناورة (أو "رافعات التأثير") لديها في مواجهة الهند. وبناءً على ذلك، يمكن أن يكون هذا الاتفاق عاملاً لتحقيق الاستقرار في المعادلات الأمنية لشبه القارة الهندية؛ إذ كلما زاد عدد الأطراف الفاعلة النشطة في الصراع الهندي الباكستاني، أصبحت إمكانية المواجهة العسكرية بينهما محدودة أكثر.


5. من منظور السياسة الخارجية السعودية: يندرج هذا الاتفاق في إطار تنويع السياسة الخارجية السعودية، والتوجه شرقاً، وتقليل الاعتماد الأمني السعودي على أمريكا. تتبع السعودية في هذا الاتفاق نموذج "تبادل الأمن بالاقتصاد". فهي تقدم لباكستان امتيازات اقتصادية، ومساعدات مالية، وتستقبل المزيد من القوى العاملة الباكستانية، وفي المقابل، تضع نفسها تحت المظلة النووية الباكستانية.


6. ترغب السعودية من خلال هذا الاتفاق في تعزيز قدرتها التفاوضية في مواجهة إسرائيل (في حال انضمامها المحتمل لاتفاقيات إبراهيم)، وتركيا، وإيران.


7. كان الهجوم الإسرائيلي على قطر وتقاعس أمريكا [عن الفعل] إحدى أكبر النعم للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث عزز مكانة إيران لدى الدول العربية وأدى إلى تآكل مكانة أمريكا لديها. لا ينبغي بالضرورة تفسير دافع دول المنطقة، بما فيها السعودية، لعقد مثل هذه الاتفاقيات الأمنية على أنه موجه لمواجهة إيران.


8. بعد السعودية، من المحتمل أن تتبع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى هذا النموذج، فإما أن تنضم إلى هذا الاتفاق، أو تدخل في اتفاقيات أمنية مع دول أخرى (على سبيل المثال، لا يمكن استبعاد احتمال عقد اتفاق أمني بين الإمارات والهند، وكذلك الحال بالنسبة لباقي دول الخليج).


9. ربما يكمن الخطر الوحيد الذي يمثله هذا الاتفاق على إيران في حال نشوب حرب مستقبلية محتملة بين إسرائيل وأمريكا ضد إيران؛ ففي تلك الظروف، ستواجه قدرة إيران على مهاجمة القواعد الأمريكية في السعودية عوائق.


10. لا ينبغي لإيران أن تشعر بالخطر من جانب باكستان. فالمقتضيات الجيوسياسية، والحتميات الجغرافية، والروابط الاستراتيجية بين إيران وباكستان، ووجود سكان (من الشيعة والسنة) محبين للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والروابط الثقافية، كلها عوامل عملت دائماً على تحسين العلاقات الإيرانية الباكستانية، وستستمر في ذلك مستقبلاً.
النتيجة: يجب على إيران أن ترحب بهذا الاتفاق، وأن تعتبر تكاثر هذا النوع من الاتفاقيات الأمنية عاملاً لتعزيز استقرار المنطقة وتقوية "الإقليمية النابعة من الداخل". وفي حال أتيحت لبلدنا فرصة للانضمام إلى مثل هذا الاتفاق، فعليها أن تعلن موافقتها.

سيد محمد حسيني، كبير باحثين في مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية
(مسؤولية محتوى المواد تقع على عاتق الكاتب، ولا تعبر عن آراء مركز الدراسات السياسية والدولية)

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است