في الوقت ذاته، أشار رافائيل غروسي (المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية)، إلى احتمال نشوب صراع، لافتاً إلى استمرار المخاوف بشأن سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية.
من جهة أخرى، يتبنى بنيامين نتنياهو – الذي يربط الكثيرون بقاءه السياسي باستمرار الأزمة، والذي غيّر عقيدة إسرائيل الأمنية بعد السابع من أكتوبر من «الداخل إلى الخارج» (Inside-Out) إلى «الخارج إلى الداخل» (Outside-In) – موقفاً مزدوجاً. ففي حين أعلن ترشحه لانتخابات عام 2026، زعم أن: «التهديد الإيراني قد ابتعد عن إسرائيل، لكنه لم ينتهِ، والآن أنظار إسرائيل شاخصة نحو إيران».
في غضون ذلك، تلوح في الأفق إشارات متباينة. فقد طمأن فلاديمير بوتين المسؤولين في الجمهورية الإسلامية بأن إسرائيل لا تنوي شن هجوم عسكري على إيران. كما تحدث دونالد ترامب، في قمة شرم الشيخ، عن سلام دائم في الشرق الأوسط «لم يسبق له مثيل خلال آلاف السنين الماضية»، معرباً عن أمله في التوصل إلى اتفاق مستدام مع إيران أيضاً، لكي «تنضم إيران إلى ركب هذا السلام».
في ظل هذه الأجواء، لا يمتلك المحللون المحليون والدوليون رؤية موحدة. فالبعض يرى الحرب وشيكة للغاية وحتمية، بينما يعتقد آخرون أن الصراع لن يقع، أو على الأقل، لن تندلع حرب ضد إيران في المدى المنظور.
وهنا يُطرح التساؤل: هل الحرب على إيران محتملة ووشيكة؟ للإجابة على هذا التساؤل، يجب علينا تناول «القوى الدافعة» (Drivers) و «الروادع» (Deterrents) للحرب. القوى الدافعة هي العوامل التي تجعل الحرب محتملة ووشيكة، بينما تعمل الروادع على استبعادها أو تأجيلها. ومن خلال تقييم و «موازنة» هاتين الفئتين من العوامل، يمكن التوصل إلى تقدير أكثر دقة لاحتمال وقوع الحرب أو عدم وقوعها.
القوى الدافعة (المحركات) لوقوع الحرب على إيران هي كالتالي:
1. الاستراتيجية الرئيسية لأمريكا وإسرائيل تجاه إيران حتى ما قبل "حرب الـ 12 يوماً"، كانت "دبلوماسية الإكراه؛ فالحرب"، ولكنها تغيرت بعد "حرب الـ 12 يوماً" إلى "الحرب الهجينة؛ فدبلوماسية الإكراه".
2. على الرغم من ادعاء أمريكا بضرورة الدبلوماسية مع إيران؛ فإن امتناع المسؤولين الأمريكيين عن إجراء مفاوضات مع إيران، رغم موافقة إيران على إجرائها بعد الحرب، هو حقيقة لا يمكن إنكارها. وقد طُرحت شواهد متعددة على ذلك من قبل المسؤولين الإيرانيين مراراً.
3. عودة قرارات مجلس الأمن الستة الصادرة بموجب الفصل السابع من الميثاق قبل الاتفاق النووي (برجام)، ورفض مجلس الأمن تعليقها، وهو ما يعني عودتها التلقائية؛ على الرغم من معارضة الصين وروسيا؛ كل هذا يوفر الأرضية والذريعة لعمل عسكري ضد إيران بالاستناد إلى "تفسير موسع" للقرارات الصادرة؛ تماماً كالتفسير الذي استخدمته أمريكا لغزو العراق عام 2003.
4. معارضة الصين وروسيا لآلية "سناب باك" (إعادة فرض العقوبات)، والتي تجلت في الرسالة المشتركة يوم أمس بين الصين وروسيا وإيران إلى مجلس الأمن الدولي بشأن إنهاء القرار 2231؛ من ناحية، تعزز موقف إيران في سياق تفاعل القوى العظمى، ولكن من ناحية أخرى، فإن معارضة الصين وروسيا العلنية لمجلس الأمن الدولي، بينما هما ركنان من أركانه الخمسة، تؤدي إلى إضعاف هذا المجلس وزيادة عجزه، وتمهد الطريق لإجراءات تعسفية (أحادية) من قبل الأعضاء الثلاثة الآخرين ضد إيران، ولتفسير أوسع لقرارات العقوبات ضدها. لا ننسى أن أمريكا لم تستطع الحصول على تفويض من مجلس الأمن لغزو العراق عام 2003؛ حينها لجأت إلى تفسير موسع لقرار مجلس الأمن الصادر عام 1991 الذي أجاز مهاجمة العراق في ذلك الوقت، وشنّت هجومًا مجددًا على العراق وأطاحت بنظام صدام.
5. ترامب والعديد من المسؤولين الأمريكيين فسّروا إنجاز السلام في غزة على أنه نتاج (مدين) للهجوم العسكري على حزب الله وإيران. وهذا الخطاب، القائل بأنه لحل تهديدات إسرائيل يجب إضعاف إيران وشل قدراتها، يتنامى بقوة في مراكز الفكر والدوائر السياسية في أمريكا وأوروبا وإسرائيل.
6. المسؤولون الإسرائيليون، بعد 25 عامًا من الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، يفترضون أنهم تحرروا من "سياج (أو حصار) جبهة المقاومة". ذلك السياج الخطير الذي خلق تهديدات فريدة ضد إسرائيل منذ تأسيس هذا الكيان وألحق به هزائم متتالية. الآن، أصبح خوفهم من إعادة تشكيل هذا السياج من قبل إيران كابوسًا للمسؤولين الصهاينة، وهم يرون أن السبيل الوحيد لمواجهة ذلك يكمن فقط في المواجهة العسكرية مع إيران.
7. المسؤولون الإسرائيليون والأمريكيون يعتبرون أنفسهم منتصرين في "حرب الـ 12 يوماً"، ويعتقدون أنهم حققوا العديد من أهدافهم المرسومة في هذه الحرب. هذه الرؤية زادت من جرأتهم (أو تهورهم) لبدء حرب جديدة.
سيد محمد حسيني، كبير الباحثين في مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية
(مسؤولية محتوى المواد تقع على عاتق الكاتب، ولا تعبر عن آراء مركز الدراسات السياسية والدولية)